النهار

٢٥ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ فبراير-٢٠٢٦       19085

بقلم ـ د. خالد بن يحيي القحطاني 

تُقاس فاعلية الاستراتيجيات المؤسسية في موضع تحققها الفعلي، أي عند المستفيد في (الميل الأخير)، حيث تُختبر (تجربة المستفيد) كما تُعاش لا كما تُوصَف. 

ومن هنا ينطلق كتاب This Is Service Design Doing (مارك ستيكدورن وآخرون) من هذه الفكرة حيث يطرح تصميم الخدمة بوصفه منهجًا لإعادة تشكيل علاقة المؤسسة بمستفيدها عبر (عِمارة) التجربة وبنيتها التشغيلية، بما يضمن اتساق ما يحدث في الخلفية التنظيمية مع ما يتجسد في نقطة التماس

ينطلق الكتاب من فرضية مُفادها:الخدمة ليست توصيف المؤسسة لمنتجها الخدمي، بل هي المحصلة الإدراكية والسلوكية التي يختبرها (المستفيد) عبر سلسلة من التفاعلات، ووفقاً لهذا التحول، يختلف سؤال الإدارة من سؤال الامتثال :هل نُفِّذ المسار كما هو مخطط؟ إلى سؤال الجدوى من منظور المستفيد : هل حصل المستفيد على حاجته بكفاءة وبرضى ؟ 

و على ضوء ذلك؛ تُعاد صياغة مفهوم الجودة من دقة المستندات أو سلامة النماذج إلى جودة (التصميم التشغيلي) والذي يجب أن ينعكس على الخدمة من حيث: قابليتها للفهم، وقابليتها للإنجاز، وقابليتها للتكرار، واستقلالها النسبي عن (الاجتهادات الشخصية للأفراد) أو تذبذب الأداء اليومي.

ويُقدَّم (الميل الأخير) في هذا الشأن بوصفه مرآةً مادية للمؤسسة، فقد تمتلك المؤسسة استراتيجية متماسكة وموارد كافية وبنية تقنية متقدمة، ومع ذلك (تتعثر) في الميل الأخير، لأن رحلة المستفيد صممت لخدمة (النظام) أكثر من خدمة (الإنسان) وهذا يؤكد أن تجربة المستفيد ليست طبقة سطحية منفصلة، بل مزيج بين السياسات، وتوزيع الأدوار، ونماذج التشغيل، وتكامل البيانات، وحدود الصلاحيات. 

وعندما يختل هذا المزيج تنشأ مفارقة : المسارات الصحيحة داخليًا من (زاوية الامتثال) والمُنهِكة خارجيًا من (زاوية الإنجاز).

 تضمن الكتاب أيضاً التمييز بين مشكلات (نقص الخدمة) ومشكلات (سوء تصميم الخدمة)، ويرجّح أن العديد من حالات التعثر تعود إلى (سوء تصميم الخدمة). 

ولذلك فإن الكتاب يقترح منطق (العمارة العكسية لتجربة المستفيد) بوصفها إطارًا منهجيًا لتحسين تجربة المستفيد حيث يتم البدء من النتيجة المرغوبة عند المستفيد ثم الرجوع للخلف لإعادة تنظيم عناصر النظام.

 ويتضمن ذلك أسئلة تشغيلية محددة: 

1-ما الخطوات التي يمكن حذفها دون المساس بالأثر؟

2- ما المراحل التي يمكن دمجها لتقليل الانتقالات غير الضرورية؟ 

3-أين يحدث تكرار جمع البيانات بلا قيمة مضافة؟ 

4- وأين تتداخل الصلاحيات بما يخلق مناطق رمادية في (نهاية الخدمة) وتحديد مسؤوليتها؟ 

في هذا التصور لا تُدار الخدمة بوصفها سلسلة إجراءات مستقلة، بل بوصفها منظومة قيمة؛ تُقاس كفاءتها بقدرتها على إنتاج نتيجة واضحة( أثر) للمستفيد.

وللتحول من النظرية الى التطبيق؛ يعرض الكتاب أدوات عملية متنوعة يصفها الكتاب كأدوات تشخيص وبناء، وهي:

1- (خريطة رحلة المستفيد) كأداة لتفكيك المسار خطوة بخطوة، ورصد نقاط التعثر، وتحديد (نقاط الألم) و(لحظات الحقيقة) التي تُنتج الثقة أو تنزعها. 

2- (مخطط الخدمة)وتظهر قيمته حين يربط بين ما يراه المستفيد على خط التماس وبين ما يحدث في الخلفية من أدوار وأنظمة وقرارات وبيانات؛ بما يسمح بإظهار مواضع الفوضى التنظيمية، والانقطاع المعلوماتي، أو إدارة العمل بالتوقعات والعُرف بدلًا من التصميم المقصود. 

وعليه، يمكن النظر إلى هذه الأدوات بأنها (أدوات حوكمة تشغيلية) إضافةً لكونها (أدوات تصميم) لأنها تُحوِّل التجربة إلى ( بناء ) قابلة للقياس والمساءلة.

ومع ذلك فإن القيمة التطبيقية لتصميم الخدمات تظل مرهونة لتحويل المخرجات إلى ترتيبات تنفيذية.

 إذ إن كثيرًا من مبادرات تصميم الخدمة تتوقف عند إنتاج خرائط مفاهيمية (ملفته) دون أن تنتقل إلى تعديل قواعد التشغيل، أو إعادة توزيع الملكيات، أو بناء مؤشرات تتسق مع منظور المستفيد. لذلك يؤكد منهج الكتاب على ضرورة: 

1-تحديد ملكيات واضحة لنهاية الخدمة.

 2-صياغة قواعد تشغيل قابلة للتطبيق.

3-اعتماد مؤشرات تقيس ما يهم المستفيد لا ما يريح النظام.

4-تأسيس آلية تعلم مستمر تستوعب التغذية الراجعة وتحولها إلى تحسينات دورية، لا استجابات طارئة.

ويخلص الكتاب إلى قاعدة تشغيلية مفادها : أن التحسينات عالية الأثر في تجربة المستفيد لا تستلزم بالضرورة مبادرات كبرى أو مشاريع مكلفة إذ يمكن تحقيقها عبر قرارات تصميمية دقيقة ومحددة. 

فإلغاء خطوة واحدة من مسار الخدمة قد يترجم إلى وفورات زمنية تراكمية كبيرة، وتبسيط لغة النماذج قد يحد من الأخطاء وسوء الفهم، كما أن توحيد مصدر البيانات لقناة واحدة يسهم في تقليل الشكاوى وتعزيز الامتثال. 

وعليه، فإن هذه المكاسب لا تنتج عن منطق (المشروع الكبير) بقدر ما تنتج عن منطق (المنهج) الذي يتعامل مع الخدمة بوصفها (نظامًا ديناميكيًا) قابلًا للتحسين المستمر.

وخلاصة الطرح أن الكتاب يدعو إلى تحول ثقافي-تشغيلي داخل المؤسسة: من مؤسسة (تدير الخدمات) إلى مؤسسة (تصمم الخدمات) الأولى تميل إلى معالجة الأعراض عند ظهورها، بينما الثانية تستبق الأسباب عبر تصميم التجربة ونظامها التشغيلي، الأولى قد تقيس نجاحها بما يُرفع إلى الأعلى في التقارير، بينما الثانية تقيس نجاحها بما يتحقق في الأسفل عند نقطة التماس عند المستفيد(في الميل الأخير). 

وبذلك تصبح الاستراتيجية غير مكتملة ما لم تُترجم إلى رحلة مستفيد واضحة، قابلة للإنجاز والقياس. 

كما أن إهمال تصميم الميل الأخير لا يؤدي فقط إلى ازدحام وأخطاء وشكاوى، بل إلى (كلفة تصحيح) لاحقة أعلى مما كان يمكن تجنبه لو صُممت التجربة منذ البداية بوصفها (عمارة) تشغيلية متماسكة.