النهار

٢٣ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ فبراير-٢٠٢٦       13585

بقلم - د.مها ياسر

على مدار سبعة عشر عامًا من عملي الأكاديمي، وخلال إشرافي المستمر على لجان الامتحانات، تكرّر أمامي مشهد يكاد يكون ثابتًا في كل فصل دراسي. مشهد بسيط في ظاهره، عميق في دلالته.

طالب يجلس بثبات، يقرأ الأسئلة بعناية، ويكتب بثقة وتركيز. وبجواره طالب آخر يلتفت يمينًا ويسارًا، يمدّ بصره إلى ورقة زميله، محاولًا نقل الإجابات حرفيًا. يظن أنه بذلك اختصر الطريق ووفر الجهد. لكنه يكتشف عند لحظة تسليم الأوراق أن الامتحان بنظام “النماذج المتعددة”.

الإجابات التي نقلها قد تكون صحيحة في ذاتها، لكنها لا تخص أسئلته هو.

في تلك اللحظة تتكشف الحقيقة: المشكلة لم تكن في نقص القدرة، بل في انصراف التركيز إلى ورقة غيره.

مع مرور السنوات، أدركت أن هذا المشهد لا يقتصر على قاعات الامتحان، بل يتكرر بصورة شبه يومية في بيئات العمل. ففي المؤسسات، كما في اللجان، نجد من يستثمر وقته في تطوير مهاراته، وتعزيز خبراته، وتوسيع أثره المهني. وفي المقابل، نجد من يستهلك طاقته في مقارنة راتبه براتب غيره، ومساره بمسار زميله، وفرصه بفرص الآخرين.

ينسخ خطوات لم يفهم سياقها، ويحاكي قرارات لا يعرف خلفياتها، ثم يتفاجأ بأن “نموذج حياته” مختلف تمامًا.

هذه الظاهرة ليست طارئة أو سطحية. فقد أشار عالم النفس الاجتماعي Leon Festinger في نظريته حول المقارنة الاجتماعية إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تقييم ذاته من خلال الآخرين. المقارنة في أصلها آلية نفسية لفهم الموقع الشخصي داخل الجماعة. غير أن هذه الآلية تتحول إلى مصدر استنزاف حين تصبح معيارًا وحيدًا للحكم على الذات.

وفي إطار السلوك التنظيمي، أوضح John Stacey Adams من خلال نظرية العدالة التنظيمية أن شعور الفرد بالرضا أو السخط لا ينشأ من الفروق ذاتها، بل من إدراكه لعدالة العلاقة بين ما يقدمه من جهد وخبرة، وما يحصل عليه من عائد وتقدير مقارنة بالآخرين. وعندما يختل هذا الإدراك، تتضخم المقارنات وتتحول إلى بؤرة توتر دائمة.

غير أن التوجيه الأعمق يتجاوز الإطار النفسي والتنظيمي إلى بعد قيمي وأخلاقي راسخ. ففي القرآن الكريم جاء التوجيه الواضح:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…﴾.

إن المعنى هنا لا يدعو إلى تجاهل الواقع، ولا إلى إلغاء الطموح، بل إلى ضبط البوصلة الداخلية. فالمشكلة ليست في وجود النعم عند الآخرين، بل في أن تمتد العين إليها على حساب التركيز فيما وُضع بين يدي الإنسان من فرص ومسؤوليات.

الدروس التي تعلّمتها من قاعات الامتحان يمكن تلخيصها في قاعدة واحدة:
لكل إنسان ورقته الخاصة، وأسئلته الخاصة، وتقييمه الخاص.

النجاح لا يتحقق بتشابه المسارات، بل بإتقان الدور. والتميز لا يُصنع عبر مراقبة نتائج الآخرين، بل عبر تطوير المدخلات الشخصية من مهارات ومعرفة وانضباط والتزام.

في الحياة كما في الامتحان، أخطر ما يمكن أن يحدث أن يخسر الإنسان فرصته الخاصة لأنه كان منشغلًا بمحاولة حل اختبار غيره.

لذلك تبقى النصيحة الأكثر بساطة وعمقًا في آن واحد:
انشغل بورقتك.
ففيها وحدها يكمن معيار نجاحك الحقيقي