النهار
بقلم - أ. حذامي محجوب
لم يكن نشر الجريدة الرسمية في المملكة العربية السعودية قبل ايام لتفاصيل “ السياسة الوطنية للغة العربية ” توثيق قانوني أو مجرد إجراء بروتوكولي عابر ، بل كان موقفا و إعلانا واضحا عن دخول لغتنا العربية مرحلة جديدة من حضورها .
مرحلة تتجاوز فيها دائرة الشعار والاحتفاء الرمزي ، لتصبح لغة مُلزِمة ، فاعلة ، ومؤسسة لمسارات التنمية والمعرفة والهوية في آن واحد . إنها لحظة استعادة ، لا بمعنى العودة إلى الماضي ، بل بمعنى استرجاع اللغة لمكانها الطبيعي في صناعة المستقبل .
فاللغة حين تتحول إلى مرجعية تنظيمية مُقنّنة ، تصبح جزءا من صُلب السياسات العامة للدولة : تضبط التعليم ، تنظّم بيئة الأعمال ، تعيد تشكيل الإعلام ، وتمنح المجال المعرفي عمقه واتّساقه . إنها خطوة تنقل العربية من مقام الدفاع إلى مقام البناء، ومن دائرة الخطاب إلى دائرة الفعل .
انّ التفاؤل هنا ليس انفعالا عاطفيا ، بل قراءة واقعية لمعطيات دولة تمتلك ثِقل و مكانة المملكة الاقتصادي والسكاني والديني . دولة بهذا الحجم، حين تمنح لغتها الأولوية، لا تُعيد الاعتبار لها فحسب ، بل تفتح لها أوسع أبواب التأثير الدولي . ومع ديناميكية السوق ، ستتجه الشركات والمؤسسات طوعا إلى التكيف مع هذه الحقيقة الجديدة، ليس امتثالا فقط، بل قناعة بأن العربية تتحول إلى قيمة مضافة وجزء من بيئة الأعمال .
وفي التعليم، تَعِد هذه السياسة بإنهاء القطيعة غير المعلنة بين لغة التفكير ولغة التعلّم . الطالب الذي يدرس بلغة يفكر فيها ، يُبدع أكثر ، يفهم بعمق أكبر ، وينطلق بثقة أعلى نحو لغات العالم الأخرى . تمكين العربية ليس انسحابا من رحابة العالم ، بل تأسيسا لقاعدة صلبة تُمكّن المتعلم من الاندماج في المعرفة الكونية من موقع المتوازن ، لا موقع المتردّد.
أما في سوق العمل ، فإن ترسيخ العربية يعيد تشكيل معايير الكفاءة . يصبح الامتياز قائما على المعرفة الحقيقية، لا على زخرف لغوي مستعار . وحين تدخل اللغة الأم بعمق في الأداء المؤسسي ، تستعيد الكفاءات الوطنية والعربية مكانتها الطبيعية ، ويتراجع الاعتماد على مهارات سطحية كانت تُمنَح وزنا أكبر مما تستحق.
ومع التحول الرقمي الذي تقوده المملكة ، سيمنح هذا القرار دفعة قوية للمحتوى العربي والتقنيات اللغوية . فالسوق الرقمية لا تتجاهل لغة تتبناها دولة كالسعودية في قلب مشروعها التنموي ، وكل استثمار في تعزيز العربية سيكون استثمارا في المستقبل الثقافي والتقني لملايين المتحدثين بها.
لكن الأثر الأعمق لهذا القرار يتجاوز الواقع الإداري أو المؤسساتي … إنه أثر معنوي . هذه الخطوة تعيد للعربية حضورها في الوعي الجمعي ، وتمنح الناطقين بها ثقة جديدة. فإتقان العربية لا يتعارض مع تعلم لغات العالم الأخرى ، بل يجعل الانفتاح أكثر اتزانا ووعيا . ومن يرسخ في لغته ، يذهب أبعد في آفاق غيرها.
إن نشر السياسة الوطنية للغة العربية هو إعلان بأن اللغة ليست ضيفا في وطنها ، بل جزء من مشروع دولة تصوغ مستقبلها بكلّ ثقة . وإن أُحسن تنفيذ هذه الاستراتيجية ، فإن أثرها لن يبقى محصورا في حدود المملكة ، بل سيصنع موجة تمتد إلى المنطقة كلها، تعيد للعربية حضورها ومكانتها التي طال انتظارها .
إن نشر السياسة الوطنية للغة العربية في صيغتها الرسمية هو إعلان بأن العربية في بيتها، وأنها جزء من مشروع تنموي متكامل. وإذا أحسن تنفيذ هذه الاستراتيجية، فإن أثرها لن يتوقف عند حدود دولة واحدة، بل قد يمتد ليعيد للعربية مكانتها التي تستحقها في المنطقة بأسرها. إنها بداية مسار واعد، عنوانه الثقة، ومضمونه البناء ومآلها نهضة لغوية تليق بتاريخ العربية ومستقبلها .