النهار

١٩ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ فبراير-٢٠٢٦       17380

بقلم -  عبدالمحسن محمد الحارثي 

يقف المؤمن أحيانًا حائرًا أمام سؤالٍ دقيق:
أأُخفي صدقتي صونًا لقلبي، أم أُظهرها تحريكًا لقلوب غيري؟!
وهل الإخفاء دومًا أزكى، أم أن في الإظهار مصلحةً راجحة؟

هذه الحيرة في حقيقتها ؛  ليست تناقضًا، بل هي مساحةُ توازنٍ ربّانيٍّ راقٍ ، إذ جمعت الشريعة بين المعنيين في آيةٍ واحدة، فقال تعالى:
﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
فمدحت الإبداء، وفضّلت الإخفاء في موضعٍ آخر ؛ لتُعلِّمنا أن مناط الفضل ليس الصورة، بل النيّة والمآل.

أولاً: صدقة السر… مدرسة الإخلاص

صدقة السر ليست مجرّد أسلوب أداء، بل هي تربية قلب.
هي عبادة لا شاهد فيها إلا الله، ولا تصفيق، ولا إشادة، ولا أثر في صفحات الناس.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فجعل الإخلاص أصل التكليف وروح العبادة.

ولذلك جاء في الحديث الشريف في بيان السبعة الذين يُظلّهم الله يوم لا ظل إلا ظله:
«ورجلٌ تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».
هذا التعبير النبوي البليغ ؛ لا يصف مجرّد الإخفاء، بل يصف حالةً من صفاء النيّة يبلغ فيها العبد درجةً يكاد يُخفي فيها عمله عن نفسه.

قال بعض السلف: إخفاء العمل أشدّ على النفس من العمل نفسه ؛ لأن النفس تميل إلى الظهور، وتطلب الاعتراف، وتستأنس بالثناء.
وهنا .. تتجلّى عظمة صدقة السر؛ فهي تطهيرٌ خفيٌّ من شوائب الرياء، ومجاهدةٌ للنفس، وبناءٌ لعلاقةٍ خاصّة بين العبد وربه.

إنها صدقةٌ تُربّي الإيمان في داخله، وتُنمّي في القلب يقينًا بأن الله يرى ويعلم ويُجزي، ولو لم يعلم الناس.

ثانيًا: صدقة الجهر… رسالة القدوة

غير أن الشريعة لم تُغلق باب الإظهار، بل قال تعالى:
﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾،
فمدح الإبداء حين يكون باعثه صحيحًا، ومقصده نافعًا.

وفي الحديث: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها»،
وهنا يتّضح أن إعلان الخير أحيانًا يُضاعف أثره؛ إذ يتحوّل العمل الفردي إلى موجة عطاءٍ جماعية.

كم من متردّدٍ في البذل أقدَم حين رأى قدوةً سبقت،
وكم من مشروعٍ خيريٍّ قام لأن أحدهم أعلن مبادرته فاستنهض الهمم.

لقد قيل في الحكمة: القدوة برهانٌ عمليّ، يُغني عن كثيرٍ من البيان.
وفي الفلسفة الأخلاقية القديمة، كان يُقال إن الفضيلة لا تكتمل إلا إذا صارت قابلةً للانتقال، أي أن تُرى فتُحتذى.

إظهار الصدقة -إذا خلصت النيّة - ليس رياءً، بل قد يكون تعليمًا، وتطبيعًا للخير في المجتمع، وكسرًا لثقافة الشحّ والخوف.

الميزان الدقيق… النيّة والمآل

من هنا .. قرّر أهل العلم أن المفاضلة ليست مطلقة، بل نسبيةٌ بحسب الحال:
    •    فإن خشي العبد على قلبه ؛ فالإخفاء أزكى له وأحفظ.
    •    وإن رأى في الإظهار مصلحةً راجحة من تشجيعٍ أو تحفيزٍ أو بناء مشروعٍ عام ؛ فالجهر أنفع.
    •    وقد يجمع بينهما ؛ فيُخفي أكثر عمله صيانةً لقلبه، ويُظهر بعضه إحياءً لروح البذل في مجتمعه.
فالسرّ يحفظ الإيمان، والجهر يبني الأوطان.
والعاقل من جعل باطنه عامرًا، وظاهره نافعًا ؛ صادقًا في خلوته، مؤثرًا في جلوته.

ليست العبرة في صدقةٍ تُخفى أو تُعلن، بل في قلبٍ خرجت منه، وأثرٍ وصلت إليه.
فَرُبَّ صدقةٍ خفيّةٍ رفعت صاحبها درجاتٍ في السماء،
وربّ صدقةٍ معلنةٍ أحيت قلوبًا، وأقامت مشاريع، وبنت جسورًا بين الناس.

والسعيد من وفّقه الله إلى الجمع بين إخلاص السرّ، وحكمة العلن ؛ فيكون عمله لله خالصًا، ونفعه للناس واسعًا،
فإذا اجتمع صفاء النيّة وامتداد الأثر ؛ فقد اكتملت دائرة الخير، وارتقى الإنسان في معارجِ العطاء .