بقلم ـ حذامى محجوب
مع إشراقة شهر رمضان، تدخل المجتمعات الإسلامية زمنا مختلفا، لا يُقاس بعدد الأيام بقدر ما يُقاس بعمق التحول الداخلي الذي يحدثه في النفوس.
إنه الشهر الذي تتراجع فيه صخب التفاصيل اليومية، ويتقدم صوت الضمير، فيجد الإنسان نفسه أقرب إلى جوهره الأول، وأصدق في علاقته بخالقه وبالناس من حوله.
رمضان ليس مجرد شعيرة زمنية، بل مدرسة أخلاقية متكاملة. فيه يتعلم الإنسان أن الامتناع ليس حرمانا، بل تحريرٌ للإرادة.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، فغاية الصيام ليست الجوع والعطش، بل بناء التقوى، أي بناء الإنسان القادر على ضبط نفسه وترتيب أولوياته بين الفاني والباقي.
في هذا الشهر، تتغير ملامح الحياة العامة،تمتلئ المساجد بالمصلين في صلاتي التراويح والقيام، وتنتشر موائد الإفطار الجماعية، وتتعزز مبادرات التكافل الاجتماعي.
في أحياء كثيرة، نرى شبابًا يتطوعون لتوزيع وجبات الإفطار، وأسرًا تخصص جزءا من دخلها لدعم المحتاجين، تجسيدًا لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8). هكذا يتحول رمضان إلى ورشة يومية لصناعة الرحمة.
وفي المملكة العربية السعودية يكتسب الشهر الكريم بعدًا أعمق، لارتباطه بشرف رعاية الحرمين الشريفين وخدمة ملايين الزوار والمعتمرين.
وقد جاءت كلمة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بمناسبة حلول رمضان 1447هـ، موجهة إلى المواطنين والمقيمين والمسلمين في العالم، لتؤكد مركزية هذا الشهر في وجدان الأمة، ولتجدد العهد على مواصلة خدمة قاصدي بيت الله الحرام والمسجد النبوي.
هذه الرسالة لم تقتصر على التهنئة، بل حملت معاني الدعاء للمسلمين بأن يعينهم الله على الصيام والقيام، وأن يكون الشهر موسمًا للخير والإصلاح.
كما شددت على أن خدمة الحرمين نهج ثابت، لا يرتبط بظرف أو مرحلة، بل هو امتداد لمسؤولية تاريخية جعلت المملكة في قلب العالم الإسلامي روحيًا.
رمضان هذا العام يأتي في سياق دولي مضطرب، تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية، وتشتد فيه الأزمات في أكثر من بقعة.
في مثل هذا المناخ، تبدو القيم الرمضانية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
فحين يذكرنا القرآن بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، فإنه يؤسس لمنطق التضامن لا لمنطق الصراع، ولثقافة التراحم لا لثقافة الإقصاء.
ومن هنا، تتجاوز دلالات رمضان حدود الشعائر الفردية لتلامس المجال العام ،إذ يشجع على ترسيخ ثقافة العدل، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتعزيز الاستقرار.
وقد تضمن الخطاب الملكي دعاءً بأن يديم الله الأمن والرخاء على المملكة، وأن ينعم على الأشقاء في فلسطين وعلى الأمة الإسلامية والعالم أجمع بالسلام، في تأكيد على البعد الإنساني الذي تحمله السياسة السعودية في مقاربتها للقضايا الإقليمية والدولية.
إن رمضان، في جوهره، فرصة لإعادة ضبط البوصلة: أن يعود الإنسان إلى مرجعيته القيمية، وأن يستعيد المجتمع توازنه الأخلاقي.
هو شهر يذكّر بأن القوة الحقيقية ليست في فائض المادة، بل في صفاء الروح، وأن الاستقرار لا يبنى فقط بالمشاريع الكبرى، بل أيضًا ببناء الإنسان.
هكذا يطل رمضان كل عام، لا كذكرى عابرة، بل كمحطة تجديد شاملة،تتوحد فيها القلوب في الدعاء، وتتلاقى الآمال عند أفق واحد، عنوانه الرحمة، ومساره السلام، وغايته مستقبل أكثر إنسانية.