النهار

١٨ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ فبراير-٢٠٢٦       11880

بقلم - روان صالح الوذيناني

في عالمٍ تتسارع فيه الخطى، ويبحث فيه الناس عن الإنجازات الكبيرة والعناوين العريضة، قد نغفل عن حقيقةٍ بسيطة لكنها عميقة الأثر؛ أن الخير لا يُقاس بحجمه، بل بصدقه. وأن الأعمال التي نظنّها عابرة، قد تكون عند الله عظيمة القدر، باقية الأثر. فكم من معروفٍ صغيرٍ صنع فرقًا كبيرًا، وكم من لفتةٍ يسيرةٍ رفعت صاحبها درجاتٍ لا تخطر على بال. هنا نتأمل في أعمال البرّ الصغيرة، تلك التي تمرّ بهدوء، لكنها تُثمر أجرًا أعظم مما نتخيّل


يظنّ بعض الناس أن الخير لا يكون إلا في الأعمال العظيمة، وأن الأجر لا يُنال إلا بالمشروعات الكبيرة والمبادرات اللافتة، لكن الحقيقة أن أبواب البرّ أوسع من ذلك بكثير، وأن الله سبحانه لا ينظر إلى كِبَر العمل بقدر ما ينظر إلى صدق القلب وإخلاص النيّة.

إن أعمال البرّ الصغيرة هي تلك التفاصيل اليومية التي قد نمرّ بها دون التفات؛ ابتسامة في وجه عابر، كلمة طيبة تداوي خاطرًا مكسورًا، رسالة اطمئنان تُرسل في وقتها، مساعدة بسيطة لكبير سنّ، أو إفساح طريق لمن استعجل. كلّها أعمال قد لا تُذكر في المجالس، لكنها تُكتب في صحائف لا تغفل ولا تنسى.

في زحمة الحياة، نظن أن الأثر لا يكون إلا بما يُرى ويُشكر، لكن كم من موقفٍ صغير غيّر مسار يومٍ كامل لإنسان لا نعرفه؟ وكم من دعوةٍ صادقة خرجت من قلبٍ خفيّ ففتحت أبوابًا من الخير لم تخطر على بال صاحبها؟ إن الله يجازي على القليل إذا صَدَق، ويبارك في اليسير إذا أُخلص.

أعمال البرّ الصغيرة تربي في النفس معنى الاستمرارية، فهي لا تحتاج إلى مالٍ وفير، ولا إلى منصبٍ أو شهرة، بل تحتاج إلى قلبٍ يقظ يشعر بالآخرين. حين نعتاد فعل الخير في أبسط صوره، يصبح العطاء أسلوب حياة، لا موسماً عابراً.

كما أن هذه الأعمال تُهذّب الروح، وتغرس في صاحبها الطمأنينة. فالإنسان حين يُسعد غيره ولو بأمرٍ يسير، يشعر بخفةٍ في صدره وسكينةٍ في نفسه، وكأن الخير الذي قدّمه عاد إليه أضعافًا في صورة راحة ورضا.

وقد يغفل المرء عن عملٍ ظنه بسيطًا، فإذا به يوم القيامة أعظم ما يفرح به؛ لأن الله لا يضيع مثقال ذرة، ولا يُهمل دمعة مسحها عبدٌ عن خدّ أخيه، ولا كلمةً صدقٍ قالها في وقت حاجة.

إن المجتمع الذي تنتشر فيه أعمال البرّ الصغيرة هو مجتمع تسوده الرحمة، وتقلّ فيه القسوة، ويقوى فيه الترابط. فالتراحم لا يُبنى بالشعارات، بل بالمواقف اليومية الصادقة.

فلنحتقر فكرة أن الخير لا يكون إلا كبيرًا، ولنجعل لأنفسنا نصيبًا يوميًا من المعروف، ولو كان يسيرًا في أعيننا.
فربّ عملٍ صغير لا نُلقي له بالًا، يكون سببًا في رفعة درجاتنا، وبركة أيامنا، ونجاةٍ نرجوها حين لا ينفع إلا ما قدّمنا من خير