النهار

١٦ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ فبراير-٢٠٢٦       17710

بقلم - علي بن عيضة المالكي

في الثاني والعشرين من فبراير يتجدد في الذاكرة الوطنية مشهد البدايات الأولى، حين ارتسمت ملامح كيانٍ اختار الاستقرار نهجًا، والوحدة مقصدًا، والهوية أساسًا راسخًا. في عام 1727م أعلن الإمام محمد بن سعود من الدرعية انطلاق مشروع دولةٍ أحدث تحولًا جوهريًا في تاريخ الجزيرة العربية، مشروع قام على تنظيم الشأن العام، وترسيخ الأمن، وتعزيز مكانة العلم والقيم في حياة المجتمع. كانت الدرعية واحةً صامتة تحمل في طياتها إرادة رجلٍ فطِن، ورؤيةٍ واضحة لمستقبل وطن.

تأسيس الدولة الأولى تجاوز كونه حدثًا تاريخيًا، فكان ميلاد فكرة متكاملة، رؤية سياسية واجتماعية ارتكزت على الوحدة والمشاركة والعدالة. غرس المجتمع مبادئ التعاون، وحافظ على ثقافة الالتزام، واحتفى بالعلم والعمل، فانتشرت حلقات التعليم، ونمت الأسواق، وارتبط الناس بأرضهم وشجرهم وسماءهم، وارتسمت صورة مجتمعٍ واعٍ لمسؤولياته تجاه وطنه.

امتدت جذور هذا الكيان حتى تجددت في صورة الدولة السعودية الحديثة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه، فكانت رحلة التوحيد استمرارًا طبيعيًا لرؤية انطلقت قبل ثلاثة قرون. في مسيرة التوحيد، واجهت القيادة تحديات صعبة، فتحوّلت الصعاب إلى فرص، والنكسات إلى أدوات قوة، فبنيت الدولة على أسس صلبة، مزجت بين الحكمة في القرار والشجاعة في التنفيذ.

الاحتفاء بهذه الذكرى الوطنية التي أقرّها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله يعكس وعيًا عميقًا بالارتباط بين الجذور والإنجازات المعاصرة.

إن استحضار التاريخ يمنح الحاضر رؤية واضحة، ويغرس في الأجيال إدراكًا بأن النهضة ليست وليدة اللحظة، وإنما امتداد لمسار طويل من العمل المستمر، والتخطيط المتقن، والتضحيات الواعية.

كما لا ننسى فإن هذا اليوم يحمل  أبعادًا ثقافية واجتماعية هامة، فهو فرصة لاسترجاع رموز الهوية، والاحتفاء بالتراث، وتعزيز القيم التي صاغت شخصية المجتمع. ترتفع الأهازيج الشعبية، وتزين المدن بالألوان التراثية، ويشارك المواطن في سرد القصص التي صنعت الملامح الأولى للدولة، من رجالٍ حملوا مسؤولية البناء، ونساءٍ أسهمن في ترسيخ القيم، وأجيالٍ حافظت على تماسك المجتمع ونقلته إلى المستقبل.

أما على صعيد التنمية والاقتصاد، يعكس امتداد الدولة تاريخًا من التجارة والمشاريع الكبرى التي رسّخت مكانتها الإقليمية والدولية. بنيت البنية التحتية، وتوسعت الطرق، وارتفعت المنشآت، وشهدت المدن تطورًا حضريًا متوازنًا. كل هذه الإنجازات استمدت قوتها من الثقة بالجذور ومن الالتزام برؤية مستمرة للقيادة والشعب، ما جعل المملكة نموذجًا للتطور المستدام.

الاحتفاء بهذه الذكرى المتعاظمة  يمنح الأجيال الجديدة فرصة  كبيرة لفهم دورها في استمرارية المسيرة الوطنية. إنه يوم لإعادة التواصل مع الماضي، واستلهام الدروس من البدايات، وتعميق إدراك أن كل جيل هو جزء من بناء مستمر، وأن المسؤولية تجاه الوطن تبدأ من كل فرد، وتنتهي بنتائج ملموسة على أرض الواقع.

الحديث عن هذا اليوم التاريخي  حديث عن جذور صنعت الحاضر، وعن ذاكرة وطنية تغرس في النفوس اعتزازًا متجددًا، وعن رسالة متصلة بالأجيال الجديدة تحث على العمل، وتعزز الانتماء، وتغذي الطموح. إنه تأمل في معنى الدولة حين تتحول الفكرة إلى كيان، والقرار إلى إنجاز، والرؤية إلى مسيرة حضارية مستمرة.

هكذا يظل الثاني والعشرون من فبراير علامة مضيئة في التاريخ، لحظة يقف فيها المواطن أمام تاريخه بإجلال، يستمد من البدايات طاقةً للعمل، ومن مسيرته عزيمةً على المضي قدمًا، ومن قيمه الأولى بوصلةً توجهه نحو آفاق أكثر إشراقًا. إنه يوم تُستعاد فيه الصور الأولى للمجد، ويُحتفى فيه بالإنجازات، ويتجدد فيه الالتزام بمواصلة المسيرة، لتظل المملكة قصة نجاح تتسع مع كل جيل، وراية تتألق في سماء الحضارة.