بقلم - حذامي محجوب
أيامٌ قليلة تفصلنا عن 22 فبراير :- عيد التأسيس، وكلما اقترب الموعد ازداد الشعور بأننا على أعتاب لحظة لا تشبه سواها.
في هذه السنة، تتمازج احتفالاته مع أجواء رمضان، فيلتقي عبق التاريخ بنفحات الروح، ويجتمع الفخر الوطني بخشوع الشهر الكريم، فتغدو المناسبة أكثر دفئاً، وأكثر امتلاءً بالمعاني.
ليتني كنت في السعودية لأرى هذا التمازج الفريد، لأشهد كيف تتزين المدن بالأخضر، وكيف تتعانق الأهازيج الوطنية مع أضواء المساجد، وكيف يتحول المساء إلى لوحة تجمع بين العرضة وصوت الدعاء، بين الاعتزاز بالجذور واستحضار القيم.
إنه مشهد لا يكتفي بأن يُرى، بل يُعاش، ويستقر في القلب.
في المملكة العربية السعودية، لا يأتي يوم التأسيس بوصفه ذكرى تاريخية فحسب، بل كحالة وجدانية تستحضر عام 1727، حين أرسى الإمام محمد بن سعود قواعد الدولة السعودية الأولى، لتبدأ مسيرة امتدت لثلاثة قرون من البناء والتحولات.
غير أن ما يلفتني في كل مرة هو أن السعوديين لا يحتفلون بالماضي كحكاية منتهية، بل كجذرٍ حيّ يمنح الحاضر معناه، ويمنح المستقبل ثقته.
هذا العام، يحمل التأسيس بعداً روحياً مضاعفاً.
رمضان في حد ذاته شهر مراجعة للذات، شهر صفاء وتأمل، وحين يتزامن مع مناسبة وطنية عميقة، يصبح الاحتفال أكثر اتزاناً.
الفرح لا يضجّ فقط بالألوان والأهازيج، بل يتشح أيضاً بقيم الامتنان، والوفاء، والسكينة. كأن التاريخ يبتسم، لا صخباً، بل وقاراً.
وعندما أقول: ليتني كنت في السعودية لأرى، فأنا لا أتحدث عن فضول عابر، بل عن رغبة في معايشة تلك اللحظة التي يلتقي فيها الشعب بقيادته على ذاكرة واحدة، وعلى شعور واحد بالفخر.
من الإمام المؤسس إلى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وصولاً إلى العهد الحاضر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تتواصل الحكاية ذاتها: دولة تعرف قيمة أصلها، وتؤمن بأن المجد لا يُستعار بل يُبنى.
ما يبهرني في يوم التأسيس أن الاحتفال فيه ليس استعراضاً، بل رسالة هادئة للعالم مفادها أن هذا الكيان لم يتشكل في فراغ، بل تأسس على عمق تاريخي واستمرارية سياسية واجتماعية واضحة.
ثلاثة قرون ليست رقماً عابراً؛ إنها شهادة رسوخ.
أيام قليلة تفصلنا عن هذه المناسبة، لكن صداها يسبقها. وفي امتزاجها هذا العام بروح رمضان، يبدو المشهد أكثر شاعرية: وطن يحتفل بجذوره، ويستحضر قيمه، ويبتسم تاريخه بثقة.
هنيئاً للسعوديين قيادةً وشعباً بعيدٍ يزداد بهاؤه عاماً بعد عام، ودامت أفراحهم ممتدةً بامتداد تاريخهم.