بقلم ـ حذامى محجوب
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قضية تقنية تخصّ المهندسين وخبراء البرمجيات ، بل تحوّل إلى أحد أخطر الأسئلة الوجودية التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين . فهذه التكنولوجيا التي تُقدَّم بوصفها الثورة الأعظم في تاريخ الإنسان ، تحمل في داخلها مفارقة مذهلة : القدرة على تحرير البشر من كثير من القيود ، وفي الوقت نفسه إمكانية إخضاعهم لمنظومات سيطرة غير مسبوقة .
لقد بات الذكاء الاصطناعي اليوم حاضرًا في كل شيء تقريبا ، من الاقتصاد والتعليم والإعلام إلى السياسة والأمن والصحة .
ومع كل قفزة تقنية جديدة ، يتزايد الشعور بأن العالم يقف على أعتاب عصر مختلف بالكامل ، عصر قد يعيد تعريف معنى العمل والمعرفة وحتى معنى الإنسان نفسه .
ويُعدّ المفكر والفيلسوف المستقبلي نيك بوستروم من أبرز الأصوات التي أثارت مبكرًا الجدل حول مخاطر الذكاء الاصطناعي ، خاصة بعد صدور كتابه الشهير الذكاء الفائق ، الذي حظي باهتمام واسع داخل دوائر التكنولوجيا وصناعة القرار .
كما سبق لرجل الأعمال إيلون ماسك أن أطلق تحذيرات متكررة ، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر خطورة من الأسلحة النووية إذا خرج عن السيطرة البشرية.
غير أن المفارقة اللافتة تكمن في أن بوستروم نفسه ، الذي ارتبط اسمه طويلًا بخطاب التحذير ، عاد في السنوات الأخيرة ليدعو إلى مقاربة أكثر توازنًا ، تقوم على عدم اختزال الذكاء الاصطناعي في سيناريوهات الرعب والهيمنة فقط ، بل النظر أيضًا إلى الإمكانات الهائلة التي قد يمنحها للبشرية .
فبحسب رؤيته ، قد يقود الذكاء الاصطناعي إلى واحدة من أعظم الثورات المعرفية في التاريخ .
فالمعرفة التي كانت حكرًا على الجامعات الكبرى ومراكز البحث والنخب الفكرية ، أصبحت اليوم في متناول أي إنسان يمتلك اتصالًا بالإنترنت .
وما كان يتطلب في السابق فرقا كاملة من الباحثين والخبراء ، بات ممكنًا عبر أدوات ذكية قادرة على التحليل والتلخيص وتوليد الأفكار بسرعة تفوق القدرات البشرية التقليدية .
ولا يتوقف الأمر عند حدود المعرفة ، بل يمتد إلى السياسة والديمقراطية نفسها .
إذ يتخيّل بوستروم مستقبلًا يمكن فيه للذكاء الاصطناعي أن يساعد على فهم تطلعات الشعوب بشكل أكثر دقة ، و أن يساهم في صياغة سياسات عامة تستند إلى تحليل عميق لاحتياجات المواطنين ، بما يمنح الفئات المهمشة صوتًا أكبر داخل المجال العام .
وكأن البشرية تدخل ، وفق هذا التصور ، مرحلة جديدة من “ التنوير الرقمي ”.
أما أكثر الأفكار إثارة للجدل ، فتتعلق بالصحة وإطالة العمر .
فأنصار تيار “ ما بعد الإنسانية ” يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم مستقبلًا في إبطاء الشيخوخة أو التحكم في الأمراض الجينية وربما إطالة متوسط عمر الإنسان بشكل غير مسبوق .
وهنا يتحول ما كان يومًا جزءًا من الخيال العلمي إلى موضوع جدي داخل المختبرات ومراكز الأبحاث الكبرى .
لكن الوجه الآخر للصورة يبدو أكثر قتامة وإثارة للقلق .
فالتكنولوجيا نفسها التي قد تمنح الإنسان معرفة أوسع وحياة أطول ، قد تتحول أيضًا إلى أخطر أدوات الهيمنة في التاريخ الحديث .
إذ يحذر بوستروم من عالم تُراقَب فيه المجتمعات بشكل شامل ، وتُحلَّل فيه أفكار الأفراد واتجاهاتهم السياسية من خلال بياناتهم الرقمية وسلوكهم اليومي ، بما قد يفتح الباب أمام أنظمة رقابة تتجاوز في قوتها كل الديكتاتوريات التي عرفها العالم .
وتتضاعف هذه المخاوف في ظل التنافس الجيو - سياسي المحتدم بين الولايات المتحدة والصين ، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع اقتصادي أو تكنولوجي ، بل أصبح سلاحًا استراتيجيًا يرتبط بالنفوذ العالمي والأمن القومي والسيطرة على المستقبل .
وفي هذا السباق المحموم ، تبدو أوروبا مهددة بفقدان موقعها التقليدي، بعدما عجزت حتى الآن عن إنتاج عمالقة تكنولوجيين قادرين على منافسة الهيمنة الأمريكية والصينية .
اقتصاديا، يثير الذكاء الاصطناعي أيضًا مخاوف عميقة تتعلق بسوق العمل .
فبعد أن طالت الأتمتة الوظائف اليدوية خلال الثورات الصناعية السابقة ، بدأت الموجة الجديدة تقترب من المهن الفكرية والإدارية والإبداعية نفسها .
ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الوظائف ستختفي ، بل أي الوظائف ستصمد أولا ، وأي المجتمعات ستكون قادرة على التكيّف مع هذا التحول العنيف .
ومع ذلك، لا يرى بوستروم أن المستقبل محكوم حتمًا بالكوارث ، بل يعتبر أن البشرية تقف أمام مفترق طرق تاريخي غير مسبوق . فإما أن تنجح في وضع ضوابط أخلاقية وقانونية تضمن توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان ، أو تترك هذه القوة الجديدة تتحول إلى أداة احتكار وسيطرة تضع مصير العالم في يد قلة تمتلك المعرفة والخوارزميات والنفوذ .
إن ما يجعل الذكاء الاصطناعي مختلفًا عن كل الثورات السابقة ، ليس فقط سرعته أو قوته التقنية ، بل كونه يضع الإنسان أمام سؤال لم تعرفه الحضارات من قبل : كيف يمكن للبشرية أن تتحكم في قوة قد تصبح أذكى منها ؟ وبين حلم الخلود الرقمي وكابوس الرقابة الشاملة ، يبدو العالم وكأنه يدخل عصرًا جديدًا لم تُكتب قواعده النهائية بعد .