الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ فبراير-٢٠٢٦       14300

بقلم ـ حذامى محجوب 

في قلب قصر الحمراء بالأندلس وعلى أحد جدران قاعة السفراء، نقشٌ يختصر فلسفة حياة كاملة: “قليل الكلام يخرج بسلام”. وعلى الجدار المقابل، حكمة أخرى لا تقل عمقًا: “من حسن كلامه وجب إكرامه”.

 بين العبارتين تتشكل معادلة دقيقة لا تتعلق بفصاحة اللسان فحسب، بل بأخلاق القول ومسؤوليته، وبالوعي بأن الكلمة قد تكون نجاة، وقد تكون هلاكًا.

في زمن تتكاثر فيه المنصات وتتسارع فيه الردود، أصبح الكلام وفيرًا إلى حد التضخم. على شبكات التواصل الاجتماعي، في البرامج الحوارية، في الاجتماعات العامة والخاصة، يتبارى الجميع في إبداء الرأي، والتعليق، والتصحيح، والتشكيك.

 غير أن هذا الفيض لا يعني بالضرورة عمقًا، ولا يضمن حكمة. 

بل إن “الكلام الزائد” كثيرًا ما يتحول إلى عبء على صاحبه، يجرّه إلى سوء فهم، أو تأويل، أو صراع لم يكن في الحسبان.

الحكمة الأولى لا تمجد الصمت المطلق، ولا تدعو إلى الانكفاء، بل تذكّر بأن الاقتصاد في الكلام شكل من أشكال الذكاء الاجتماعي.

 فالكلمة حين تُختار بعناية، وتوضع في سياقها المناسب، تكون أبلغ من خطبة طويلة.

 أما حين تُقال على عجل، أو بدافع الانفعال، فإنها قد تفتح أبوابًا من الجدل لا تُغلق بسهولة. 

كم من خصومة بدأت بجملة عابرة، وكم من علاقة اهتزت بسبب تعليق غير محسوب.

أما الحكمة الثانية، فتمنح للكلام مكانته المستحقة: ليس المطلوب أن نقلّ الكلام فقط، بل أن نحسنه. 

فحسن القول ليس تزيينًا لغويًا، بل هو احترام للآخر، وتقدير لذكائه، واعتراف بحقه في خطاب راقٍ ومسؤول.

 من يحسن كلامه، يفرض احترامه دون صراخ، ويكسب مكانته دون استعراض. 

في عالم يميل إلى الضجيج، يصبح الهدوء المدروس علامة قوة لا ضعف.

المفارقة أن ثقافة العصر تميل إلى مكافأة الأكثر حضورًا لا الأكثر اتزانًا، والأكثر تعليقًا لا الأكثر تفكيرًا. 

لكن التجربة الإنسانية تثبت أن الهيبة لا تُبنى بكثرة التصريحات، بل بثقلها. 

وأن المصداقية لا تُكتسب بتكرار الرأي، بل بثباته واتساقه.

 قليل من الكلمات المختارة قد يساوي أثر صفحات من الخطاب المرتجل.

ليست المشكلة في التعبير، بل في فائض التعبير. 

ليست في إبداء الرأي، بل في تحوله إلى رد فعل دائم. 

فحين يصبح الإنسان أسيرًا لحاجة مستمرة إلى التعليق، يفقد مسافة التأمل، ويضع نفسه في موقع دفاعي دائم. 

أما من يتقن فن الصمت حين يجب، وفن الكلام حين يحسن، فإنه يحمي نفسه من الندم، ويحفظ للقول قيمته.

بين جداري قاعة السفراء في قصر الحمراء، لم تكن الحكمتان مجرد زخرفة جمالية، بل كانتا درسًا في إدارة الكلمة. 

درسًا يصلح لزمننا أكثر مما نتصور. فسلامة الإنسان اليوم ليست فقط في ما يفعل، بل في ما يقول.

 وإكرامه لا يكون بارتفاع صوته، بل بارتفاع مستوى خطابه.

 وفي زمن الضجيج، قد تكون الحكمة القديمة أكثر حداثة من كل منصاتنا الرقمية.