الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ فبراير-٢٠٢٦       19965

بقلم - عيسى المزمومي

رمضان ليس مجرد شهرٍ يمرّ في التقويم، ولا زمنٍ تعبديٍّ يتكرر كل عام ثم ينقضي، بل هو حالة إنسانية عميقة، وتجربة روحية تتجاوز الطقوس إلى جوهر المعنى.

إنه شهر الرحمة والغفران، حيث تُختبر القلوب قبل الأجساد، وتُصفّى النوايا قبل الموائد، ويُعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان وربه، وبين الإنسان والآخرين! 
في ذاكرة الزمن الجميل، كان لرمضان طعمٌ مختلف، لا تصنعه كثرة الأطعمة، ولا تفرضه زينة الشاشات، بل تمنحه بساطة العيش، ونقاء العلاقات، وصدق المشاعر.

كان رمضان زمنًا أبطأ، لكنه أعمق؛ أقل ضجيجًا، وأكثر حضورًا في الوجدان.

لم يكن محاصرًا بالاستهلاك، ولا مثقلًا بالمظاهر، بل كان مساحة للسكينة، وموسمًا للرحمة الصامتة التي تُمارَس دون إعلان.
أتذكر أول عام صمتُ فيه في حي البوادي بجدة، حين كانت الحارة امتدادًا للأسرة، والجيران أقرب من الأقارب.

كانت الأبواب مفتوحة، والقلوب أوسع، لم تكن الماديات تتحكم في العلاقات، وكان الاحترام قيمة تُمارَس لا شعارًا يُرفع.

رغم شظف العيش، كان الغنى حاضرًا في النفوس، وكانت الرحمة سلوكًا يوميًا، لا خطبةً عابرة.
كان رمضان آنذاك موعدًا للروح، لا جدولًا مزدحمًا بالبرامج.

لم تكن التكنولوجيا قد اختطفت لحظات التأمل، ولم تكن الشاشات تسرق دفء اللقاء الإنساني.

كان الناس يلتقون بصدق، ويتحدثون بعمق، ويصغون لبعضهم البعض دون استعجال. كان الصمت له معنى، وكانت الكلمات تُقال بوزنها الحقيقي! 
في الليالي الرمضانية، كان الطريق إلى المسجد هادئًا، والخطوات مطمئنة، لا تقطعها إشعارات الهواتف، ولا تُشوّشها إعلانات الاستهلاك.

كان صوت المقرئ في صلاة التراويح، المنبعث من جهاز الراديو، ينساب كجدولٍ روحي، يروي عطش الأرواح، ويذكّر الإنسان بضعفه، وحاجته، وإنسانيته.
أما موائد الإفطار، فلم تكن ساحات للتفاخر أو المنافسة، بل لحظات امتنان ورضا.

الطعام بسيط، لكنه مشبع بالحب، والعائلة تجتمع بروحها قبل أجسادها، والجيران يتقاسمون الأطباق كأن البيوت بيتٌ واحد.

كان الجوع تجربة تُعاش بوعي، لا وقتًا يُراد التخلص منه، وكان الصيام تدريبًا على ضبط النفس، لا مجرد التزام جسدي! 
في ذلك الزمن، لم يكن الصيام امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل رحلةً إلى الداخل.

كان الإنسان يواجه رغباته، ويُعيد اكتشاف حاجاته الحقيقية. كان الجوع نافذةً على جوهر النفس، يوقظ الإحساس بالآخرين، لا بدافع الشفقة، بل بدافع المشاركة الإنسانية العميقة.

كان رمضان مدرسة في الاكتفاء، حيث يتعلّم المرء أن السعادة لا تكمن في الامتلاك، بل في التخفف، وأن اللذة لا تُقاس بالكثرة، بل بالمعنى.
أما اليوم، فقد تحوّل رمضان، في كثير من مظاهره، إلى موسم استهلاكي بامتياز.

ازدحام الأسواق، وتضخم الموائد، وهيمنة الشاشات، كل ذلك أزاح الجوهر لصالح الشكل.

صار الإفطار مناسبةً للاستعراض، وأصبحت الليالي الرمضانية تضيع بين الإعلانات والمسلسلات، حتى بات العثور على لحظة صمت حقيقية أمرًا نادرًا.
ومع ذلك، لا يزال الأمل قائمًا.

لا تزال هناك قلوب تقاوم هذا التيار، وتبحث عن رمضان الحقيقي وسط الضجيج.

قلوب تدرك أن الرحمة ليست كلمة تُقال، بل ممارسة تُعاش، وأن الغفران لا يتحقق بكثرة الشعارات، بل بصدق النية، ومراجعة الذات، ومصالحة النفس مع قيمها الأولى.
إن استعادة روح رمضان لا تعني العودة إلى الماضي، بل تعني استعادة القيم التي جعلت منه شهر الرحمة والغفران بحق. يمكننا ذلك حين:
نخفف من الاستهلاك، ونجعل البساطة خيارًا واعيًا.
نُحيي التواصل الحقيقي، ونُعيد للّقاء الإنساني دفئه.
نمنح الصمت مكانه، ونتصالح مع التأمل.
نقترب من المحتاجين بعمق إنساني، لا بواجبٍ عابر.
نعيد تعريف الصيام بوصفه رحلة تهذيب للروح، لا مجرد انقطاع جسدي.
رمضان ليس زمنًا جميلًا مضى، بل مرآة تعكس حالتنا الداخلية.

إن جعلناه موسمًا للضجيج، كان كذلك، وإن جعلناه محطةً للرحمة والغفران، تحوّل إلى فرصة حقيقية للتغيير.

الزمن يتغير، لكن القيم لا تموت، ورمضان سيظل دائمًا بابًا مفتوحًا لمن أراد أن يعود إلى ذاته، وأن يقترب من الله، وأن يستعيد إنسانيته في عالم يزداد صخبًا وافتقادًا للمعنى!