النهار
بقلم ـ جمعان الكرت
لسكان القرية طقوسهم، ويمكن مشاهدة ذلك في ملامح وجوههم؛ فقد يملأ الحزن وجوه الجميع ساعة سماع خبر وفاة أي فرد في القرية، وبعد عملية الدفن يتم توزيع التمر كصدقة لروح الميت.
ومثلما يحزن الأهالي أيضًا يفرحون؛ حيث يحرصون على إعادة تبييض جدران منازلهم بالشيدة، مع تجديد طلاء الجدران بالصباغ الأخضر، أما النوافذ والأبواب فيتم طلاؤها بالبوية أو بالقطران المستخلص من بعض أنواع الأشجار بطريقة الاحتراق والتقطير، ومن ثم خروج المادة الزيتية الثقيلة شديدة السواد.
في الربيع تتحوَّل المصاطب الزراعية إلى لوحة خضراء من محصول الذرة، فيما تنساب المياه في بطن وادي قوب بشكل يترقرق له القلب، تتلدن المياه مع الانحدار وتتلوى بين نباتات غضة. اكتشف أحد المقيمين الفلسطينيين أن الحضوة يمكن أن تصبح مشهية كالبصل على مائدة الأهالي، بدلًا من جيوش الحشرات التي تهيم عليها. لاحظه أحد أفراد القرية وهو يقتطف بيديه المائلة للحمرة أغصانًا وأوراقًا غضة نمت على حواف مياه الوادي، فاستغرب من فعلته؛ إذ إنها تخص الأبقار والحمير، يحملها أبو ماهر الذي يعمل تمرجيًا (هذه التسمية لممرض عند أهل القرى آنذاك) إلى منزله. بدأ التساؤل: ماذا يفعل بها؟ هل كنوع من العلاج أم ماذا؟ بعد عمليات استخبارية من بعض أفراد القرية تم التبيّن بأن عائلة التمرجي تأكل الحضوة، انتشر الخبر في القرية؛ فالبعض يقول إن من المستحيل أن يأكلها التمرجي، وآخرون يتقززون حين يتخيلون أبا ماهر وهو يلتهم الحضوة مع وجبة العشاء. تبيّن فيما بعد أن ثمة أشخاصًا يتسللون خفية لاقتطاف ما كتبه الله رزقًا لأسرهم، بعد أن فهموا بأنها من فصيلة الجرجير الذي لم يكن معروفًا حينها.
لنهارات ومساءات شهر رمضان ذكريات قروية حميمة؛ الأهالي يستقبلونه بكثير من الروحانية، وقريتي تُشكِّل بيوتها سياجًا اجتماعيًا متلاحمًا، فأهاليها أسرة واحدة، وربما يعود ذلك إلى قلة الفوارق في المستويات المعيشية. الصيام لا يُشكِّل عائقًا أبدًا، فالجميع يمارس حياته الطبيعية من أعمال متنوعة، وخصوصًا الزراعة؛ إذ يبدأ العمل ساعة انفلاق الفجر وانتشار ضوء الشمس على أرجاء القرية. وفي العصريات نجتمع أطفالًا وشبابًا في باحة سوق الأحد لقضاء أوقات مسلية، لنمارس ألعابًا ذهنية ورياضية متنوعة، كلعبة القطرة بأنواعها: أم ثلاث، أم ست، أم تسع، واثني عشر؛ يتبارى اللاعبان في وضع قطع الحجارة أو نوى المشمش أو التمر في الخانات المخصصة لها بكثير من الذكاء والتركيز. أو لعبة الأمثال (مصفوفة من الأحجار المستطيلة) يتم نصبها على مسافة عشرة أمتار أو تزيد تقريبًا، تُصوَّب بمهارة من الفريقين، وتعتمد على الدقة والقوة والمهارة، وفي حالة فوز فريق يقوم الفريق الخاسر بحمل الآخر كاعتراف بهزيمته، مع استمرار المنافسة بين الطرفين. ونلعب أيضًا لعبة (يالسح يالزم)، وهي تعتمد على سرعة الجري وقوة الجسد والمراوغة الذكية، وألعاب أخرى، كـلعبة العود؛ يضرب اللاعب أحد طرفي العود ليتماهى في الفضاء القريب، بعدها يقوم بحساب المسافة ما بين الموقع السابق والجديد.
وهناك لعبة تخص الفتيات، لعبة (السقطة)، عبارة عن خمسة من الحجارة الدائرية والملساء يتم تحريكها باليدين بمهارة عالية. وآخرون من الأطفال يستهويهم التجوال في طرقات القرية على شكل زرافات، ويرددون نشيدًا جماعيًا يتضمن الدعاء لصاحب الدار بالرزق والتوفيق والذرية الصالحة، ليُقابل ذلك بمنحهم ما تجود به نفسه من التمر والحمص وقطع الحلوى إن وُجدت، وتسمى (الفلاته):
فليت فليت يا عمّة..
الله يكبّر بنتك،
وتسرح تأخذ حزمة،
وتوطيها في السدة،
ومن السدة للحدة.
أما المساء فكنا نبتهج من خلال المشاركة في العرضة عبر طرقات وسراديب القرية، ومضامين القصيدة تنادي وتحفّز الآخرين للخروج والمشاركة في السَّمْرة.