الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ نوفمبر-٢٠٢٦       2585

بقلم : م. عمار ابو شعالة

في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتقنية، لم تعد قوة الاقتصادات تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية أو أصول مالية فحسب، بل بقدرتها على بناء إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار وصناعة الفرص. فالثروة الحقيقية لأي اقتصاد تبدأ من الإنسان، والعائد الأكثر استدامة هو ما يتحقق من الاستثمار في قدراته وتأهيله.

 

إن الاستثمار في الإنسان لم يعد خياراً تنموياً مكملاً، بل أصبح ضرورة اقتصادية ترتبط مباشرة بالإنتاجية والتنافسية والنمو. فالمؤسسات التي تستثمر في تطوير موظفيها لا ترفع كفاءة الأداء فحسب، بل تعزز قدرتها على الابتكار، وتخفض تكلفة الأخطاء، وتبني قيادات قادرة على التعامل مع المتغيرات. كما أن الاقتصادات التي تمتلك كوادر مؤهلة تكون أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات وتوطين الصناعات ونقل المعرفة.

 

وتبرز أهمية هذا الاستثمار في إعادة تعريف مفهوم التدريب، بحيث لا يكون مجرد برامج وساعات تدريبية أو شهادات تُضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما عملية متكاملة تستهدف سد فجوات المهارات، ورفع كفاءة رأس المال البشري، وربط مخرجات التعلم بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل. فالقيمة الحقيقية للتدريب تُقاس بما يضيفه من تحسن في الإنتاجية، وجودة في الأداء، وقدرة على تحويل المعرفة إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

 

وفي المملكة العربية السعودية، يتجلى هذا التوجه ضمن مستهدفات رؤية 2030، وبرنامج تنمية القدرات البشرية، الذي يركز على إعداد مواطن منافس عالمياً، ومواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة. وهي رؤية تدرك أن تنويع الاقتصاد وبناء القطاعات الواعدة لا يمكن أن يتحققا دون كوادر وطنية تمتلك المهارات اللازمة لقيادة هذا التحول.

 

ومن هنا، تبرز مسؤولية مشتركة بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات التعليمية والتدريبية في بناء منظومة مستمرة لتطوير القدرات، تستشرف مهارات المستقبل، وتمنح الشباب فرصاً حقيقية للتأهيل والتمكين، وتفتح المجال أمام الخبرات والكفاءات للمشاركة في صناعة النمو.

 

والأهم أن الاستثمار في الإنسان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تكلفة تشغيلية، بل أصلاً اقتصادياً تتراكم عوائده بمرور الوقت؛ فالمباني قد تتقادم، والتقنيات قد تتغير، والأسواق قد تتبدل، لكن الإنسان المؤهل يمتلك القدرة على التعلم والتكيف وإعادة إنتاج القيمة.

 

إن الرهان الاقتصادي الأكثر استدامة ليس في حجم ما نملكه اليوم، بل في كفاءة الإنسان الذي يستطيع أن يصنع قيمة أكبر غداً.