الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ اكتوبر-٢٠٢٦       2805

بقلم - د. سعيد بن فايز بن محمد الشريف

تشهد المملكة العربية السعودية نهضة شاملة ومتسارعة في مختلف المجالات، وفي قلب هذه النهضة يأتي قطاع التعليم الأهلي بوصفه أحد مكونات بناء الإنسان. فكلما ارتفع سقف طموحات الوطن، ارتفعت معه طموحات النسيج المجتمعي، وهذا التحول في وعي المجتمع انعكس بصورة مباشرة على المدارس الأهلية، وفرض عليها إعادة النظر في كثير من المفاهيم الإدارية والتسويقية التي كانت سائدة في السابق.

فالأسرة اليوم لم تعد تبحث عن مدرسة جميلة في إعلانها فقط، ولا عن وعود تسويقية براقة، وإنما تبحث عن إجابة أكثر عمقًا: ماذا ستقدم هذه المدرسة لأبنائي؟ وما الدليل على جودة ما تقدمه؟

وهنا تظهر الحقيقة التي ينبغي أن يدركها كل مستثمر وقائد تربوي بأن التسويق يستطيع أن يجذب العميل إلى المدرسة، لكنه لا يستطيع أن يصنع الثقة إذا كانت التجربة التعليمية لا تؤكد ما يقوله الإعلان.

قد تنجح المنشأة الأهلية في الوصول إلى مئات الأسر من خلال الحملات الإعلانية، وتحقق أرقامًا مميزة في المشاهدات والتفاعل والاستفسارات، لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد من شاهد الإعلان، بل بعدد من وثق بالمدرسة واختارها واستمر فيها وأوصى بها للآخرين.

فالعميل في التعليم لا يشتري منتجًا يمكنه تقييمه في لحظة الشراء؛ بل يضع أبناءه في مؤسسة يفترض أن تؤثر في مستقبلهم العلمي والشخصي. ولذلك أصبح قرار الأسرة أكثر ارتباطًا بالسمعة، ونواتج التعلم، ومستوى المعلمين، والانضباط، والرعاية، والبيئة التعليمية، والنتائج التي يمكن قياسها ومقارنتها.

فالثقة هي رأس المال الحقيقي للمدرسة. ويمكن للمدرسة أن تنفق ملايين الريالات على التسويق، لكنها لا تستطيع شراء الثقة بالمال؛ فالثقة تُبنى عبر جودة التعليم الفعلية، وكفاءة المعلمين والقيادات، ووضوح الأنظمة والإجراءات، والتواصل الصادق مع الأسرة، والاهتمام بالطالب، ومعالجة الملاحظات والشكاوى باحترافية، وتحقيق نتائج تعليمية ملموسة، والمحافظة على الوعود التي قطعتها المدرسة، إلى جانب وجود هيكل تنظيمي فعّال.

ولهذا فإن أفضل مسوّق للمدرسة هو ولي الأمر الراضي، وأفضل إعلان لها هو نجاح الطالب، وأقوى محتوى تسويقي هو النتيجة التي يستطيع المجتمع التحقق منها.

لقد غيّرت نواتج التعلم قواعد اللعبة؛ فمع ما تقدمه هيئة تقويم التعليم والتدريب من مؤشرات وبيانات مرتبطة بجودة التعليم ونواتج التعلم، وظهور مؤشرات مثل نتائج «نافس» والقدرات والتحصيلي، وإتاحة أدوات تساعد الأسرة على معرفة مستوى المدرسة، لم يعد من السهل الاعتماد على الصورة التسويقية وحدها.

فالمدرسة التي تتحدث عن التميز الأكاديمي أصبحت مطالبة بأن تثبت هذا التميز، وأن يظهر أثر برامجها على مستوى الطلاب، وأن يكون «التميز» حاضرًا في النتائج والممارسات اليومية ونواتج التعلم قبل أن يكون حاضرًا في التصميم الإعلاني.

ومن هنا تتراجع قيمة التسويق المنفصل عن الأداء، وتتقدم قيمة التسويق المبني على الأدلة.

 

فالمدرسة الناجحة لا تسوّق خدماتها فقط، بل تسوّق نتائجها؛ تنتقل من الحديث عن المباني الحديثة والفصول الذكية والأنشطة والبرامج، إلى الحديث عن مستويات الطلاب، ونسب التحسن، وبرامج معالجة الفاقد التعليمي، وآليات متابعة تقدم الطالب، والشواهد التي تثبت جودة ما تقدمه.

وقبل أن تسأل إدارة المدرسة: كم نحتاج لميزانية التسويق؟ ينبغي أن تسأل أولًا: ما الذي لدينا ويستحق أن نسوّقه؟

هل نواتج التعلم لدينا قوية؟ أين نقاط القوة والضعف؟ هل لدينا خطة لمعالجة الفجوات؟ هل المعلمون يمتلكون الكفاءة التي نعلن عنها؟ هل تتوافق تجربة ولي الأمر مع الوعود التسويقية؟ وهل لدينا مؤشرات نستطيع عرضها بثقة وشفافية؟

إذا كانت الإجابات إيجابية، يصبح التسويق أداة قوية للنمو. أما إذا كانت هناك فجوة بين المنتج التعليمي والصورة التسويقية، فإن زيادة الإنفاق على التسويق قد تؤدي فقط إلى زيادة عدد العملاء الذين يكتشفون المشكلة.

إن المدارس الأهلية الناجحة في المرحلة القادمة لن تكون بالضرورة الأكثر إنفاقًا على الإعلان، وإنما الأكثر قدرة على بناء سمعة تعليمية مستدامة:

جودة تعليم → نتائج أفضل → رضا الأسرة → ثقة المجتمع → سمعة قوية → استقطاب أكبر → نمو مستدام.

والاستثمار الحقيقي في المدارس الأهلية ليس في شراء الإعلانات، وإنما في بناء مؤسسة تجعل الإعلان صادقًا.

وفي ظل الاهتمام المتزايد بنواتج التعلم ومؤشرات جودة التعليم، أصبحت المعادلة أكثر وضوحًا:

لا تسوّق المدرسة قبل أن تبني الثقة، ولا تبنِ الثقة قبل أن تضمن جودة التعليم، ولا تتحدث عن التميز قبل أن تكون لديك نتائج تثبته.

فالمدرسة التي تمتلك جودة حقيقية تحتاج إلى تسويق ذكي ليعرفها الناس، أما المدرسة التي لا تمتلك جودة حقيقية فلن تنقذها أفضل الحملات التسويقية على المدى الطويل.

وفي التعليم تحديدًا، أقوى إعلان ليس ما تقوله المدرسة عن نفسها، وإنما ما يقوله طلابها ونتائجهم وأولياء أمورهم عنها.