الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ نوفمبر-٢٠٢٦       1815

بقلم : عبدالله بن أحمد الزهراني

ثمة أشخاص يمرون في حياة الإنسان عابرين، وآخرون تكتب لهم الأقدار أن يصبحوا جزءًا أصيلًا من ذاكرته وتفاصيل أيامه. تباعد بينهم المسافات حينًا، وتشغلهم مشاغل الحياة حينًا آخر، لكن الخيط الذي يربطهم يبقى متينًا، حتى إذا فرقتهم الطرق أعادتهم الصدف الجميلة إلى نقطة اللقاء من جديد. ومن هذه الفئة النادرة صديقي العزيز الأستاذ يحيى أحمد سعيد، الذي امتدت معرفتي به لأكثر من خمسة وأربعين عامًا.

بدأت الحكاية في المرحلة الثانوية، حين جمعنا فصل دراسي واحد لمدة ثلاثة أعوام. كانت العلاقة آنذاك محدودة في إطار الزمالة المعتادة بين الطلاب، ولم يكن ما يوحي بأنها ستتحول يومًا إلى واحدة من أعمق الصداقات في حياتي.

بعد التخرج مضى كل منا في طريقه، لكن الأقدار أعادت جمعنا في كلية العلوم بجامعة الملك عبدالعزيز. كان اللقاء عابرًا وهادئًا ويتيما، غلبت عليه المجاملة أكثر من الحماسة، رغم وجودنا في الكلية نفسها. غير أن القدر كان يدخر لهذه العلاقة فصلًا مختلفًا وأكثر رسوخًا.

عندما التحقت بأكاديمية الطيران المدني، فوجئت في أول يوم دراسي بوجود يحيى بين الطلاب المستجدين. كانت تلك المرة الثالثة التي تجمعنا فيها الأقدار، وكأنها تصر على أن تضع هذه الصداقة على مسار مختلف. درسنا معًا اللغة الإنجليزية لمدة عام كامل، وسكنا في السكن الداخلي ذاته، وتقاسمنا تفاصيل الحياة اليومية من الدراسة إلى الوجبات وحتى الأنشطة الاجتماعية.

هناك بدأت العلاقة تنضج وتتجاوز حدود الزمالة التقليدية. جمعتنا جلسات السمر وسهرات البلوت البريئة، وكانت عطلات نهاية الأسبوع على شاطئ الحمراء مساحة أخرى لتعزيز أواصر الود. ومع امتداد العشرة اليومية وترابط ظروف الدراسة والسكن، تأسست صداقة حقيقية استمرت آثارها حتى اليوم.

وعلى الرغم من أن مساراتنا المهنية تفرقت بعد التخرج، حيث عُيّن يحيى في مطار الجوف بينما عملت في مطار بيشة لسنوات قليلة قبل أن استقيل والتحق بمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، فإن المسافات لم تنجح في إضعاف العلاقة. فقد ظل التواصل قائمًا بيننا في وقت انقطعت فيه الصلة بمعظم زملاء الدراسة.

ومع دخول خدمات الهاتف الجوال إلى المملكة، فوجئت ذات يوم برسائل نصية تصلني من رقم مجهول، تحمل روح الدعابة والمودة. استمر هذا التواصل فترة قبل أن أكتشف أن صاحب الرقم ليس سوى يحيى، الذي بذل جهدًا كبيرًا للوصول إليّ. ثم واكب تطور وسائل الاتصال، فانتقل إلى البريد الإلكتروني، وبعده إلى وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، مستثمرًا شغفه بالتقنية وتخصصه في هندسة الممرات الجوية للحفاظ على جسور التواصل قائمة.

حتى عندما انتشر تطبيق "واتساب" وكنت مترددًا في استخدامه، لم يكف يحيى عن محاولاته لإقناعي بالانضمام إليه، حرصًا منه على استمرار التواصل ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية. وحين استجبت أخيرًا، أضاف التطبيق وسيلة جديدة إلى سجل طويل من الود والوفاء الذي تميزت به صداقتنا.

واليوم، ومع تقاعد الأستاذ يحيى أحمد بعد سنوات طويلة من العطاء في برج المراقبة بمطار العقيق، تتجدد مشاعر الامتنان لهذا الصديق الوفي الذي عرفه كثير من المسافرين والعاملين في قطاع الطيران بحسن تعامله واستعداده الدائم للمساعدة وتذليل العقبات.

إنها ليست مجرد قصة صداقة، بل شهادة وفاء نادرة صمدت أمام الزمن والمسافات وتغير الظروف. ولأبي أحمد أرفع أصدق الدعوات بأن تكون سنوات التقاعد المقبلة بداية مرحلة جديدة من السعادة والصحة والطمأنينة، وأن يجزيه الله خير الجزاء على ما قدمه من وفاء ونبل وعطاء.