الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ نوفمبر-٢٠٢٦       3465

بقلم- شموخ نهار الحربي 

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى شرح طويل حتى يتجاوز موقفًا آلمه، ولا ينتظر من الطرف الآخر أن يجد له ألف مبرر، بقدر ما ينتظر كلمة واحدة تعيد للأمور شيئًا من اتزانها: «أنا آسف، أخطأت بحقك».

الغريب أننا أصبحنا نعيش مواقف كثيرة يكون فيها الاعتذار أبسط ما يمكن تقديمه، ومع ذلك يصبح أصعب ما يمكن قوله. قد يخطئ أحدهم، ويعرف أنه أخطأ، لكنه يختار الصمت، أو يتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، وربما ينتظر من الشخص الذي تأذى أن يتجاوز الموقف وحده.

أتساءل أحيانًا: لماذا نخشى الاعتراف بأخطائنا؟ هل أصبح الاعتذار في نظر البعض انتقاصًا من الكرامة؟ أم أننا اعتدنا أن نبحث عن مبررات لتصرفاتنا أكثر من بحثنا عن أثرها في نفوس الآخرين؟

في كثير من العلاقات، لا تكون المشكلة في الخطأ نفسه، فكلنا نخطئ، وقد نقول كلامًا لا نقصده، أو نتصرف بطريقة لا ندرك أثرها إلا بعد فوات الوقت. لكن ما يترك الأثر الأعمق هو أن يشعر الإنسان بأن ألمه لم يكن مهمًا بما يكفي حتى يعترف الطرف الآخر بما فعله.

هناك فرق بين شخص يخطئ ثم يحاول إصلاح ما حدث، وشخص يخطئ ثم يقضي وقته في إثبات أنه لم يكن مخطئًا. الأول يدرك أن العلاقات لا تقوم على الانتصار في كل خلاف، والثاني قد يكسب موقفًا، لكنه يخسر شيئًا من الثقة التي بُنيت بينه وبين الآخرين.

ولعل ما يجعل الاعتذار صعبًا هو أننا أحيانًا ننظر إلى الموقف من زاوية واحدة؛ نركز على نوايانا وننسى أثر تصرفاتنا. فقد لا نقصد جرح أحد، لكن هذا لا يعني أن الجرح لم يحدث. فحسن النية لا يلغي مسؤوليتنا عن الطريقة التي نتعامل بها مع الناس.

ولا أعتقد أن الاعتذار يُنقص من قدر صاحبه، بل أرى أن الإنسان الذي يستطيع أن يقول أخطأت، دون أن يبحث عن أعذار أو يلقي باللوم على غيره، يمتلك قدرًا من النضج نفتقده في كثير من المواقف.

لكن الاعتذار أيضًا ليس كلمة تقال في لحظة ثم تعود التصرفات كما كانت؛ فهناك اعتذارات لا تصدقها الكلمات، وإنما تثبتها المواقف اللاحقة. ومن يعتذر عن أمر ثم يكرره، لم يمنح اعتذاره المعنى الذي يستحقه.

نحن بحاجة إلى أن نعيد النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع أخطائنا، وأن نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن الاعتراف بالخطأ ليس عيبًا، وأن احترام مشاعر الآخرين لا يقل أهمية عن احترام أنفسنا. فليس من الضروري أن نكون دائمًا على صواب، لكن من الضروري أن نكون منصفين حين نخطئ.

وفي النهاية، أؤمن أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى وعود كثيرة حتى تستمر، بل تحتاج إلى صدق يظهر وقت الخطأ قبل وقت الوفاق. وأن كلمة اعتذار صادقة قد تحفظ في النفس مكانة لا تستطيع كلمات كثيرة أن تعيدها بعد فقدانها.

فليس كل من اعتذر ضعيفًا، وليس كل من أصرّ على موقفه قويًا؛ أحيانًا تكون الشجاعة الحقيقية أن تنظر إلى الشخص الذي آذيته، وتعترف ببساطة أنك أخطأت.