الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ نوفمبر-٢٠٢٦       3465

بقلم- ناصر بن سعيد العلي الغامدي

ليس الولاء للوطن كلمةً تُقال، ولا الوفاء له رايةً تُرفع فحسب؛ بل هو أصالةٌ في المنبت، وثباتٌ في الموقف، وعهدٌ تسكن جذوره في الضمير، وتظهر معادنه حين تختبر الأيام صدق الانتماء.

وإذا ذُكر الوفاء للوطن، فإن المواطن السعودي يحضر في معناه قبل أن تحضر الكلمات في وصفه. فهو ابن أرضٍ صاغت هويتها عقيدةٌ راسخة، وتاريخٌ عريق، وانتماءٌ تتوارثه الأجيال؛ فغدا الوطن في وجدانه أكبر من حدود الأرض، وأعمق من معنى السكن، إنه الدار التي يعتز بها، والهوية التي يحملها، والعهد الذي لا تنال منه تقلّبات الزمن.

وليس وفاء السعودي طارئاً تصنعه الظروف، ولا عاطفةً توقظها المناسبات ثم تخبو بانقضائها؛ إنه امتدادٌ لقيمٍ أصيلة يستمد جذورها من عقيدته الإيمانية، ومن تربيته، ومن اعتزازه بوطنه وقيادته ومجتمعه. ولذلك لا يبدو الوفاء في وجدانه تكليفاً غريباً عنه، بل تعبيراً عن أصالته، وصورةً من صور انتمائه.

وللسعودي مع الوفاء حكايةٌ لا تختصرها الكلمات؛ فهو لا يبيع عند المغنم، ولا يتخلّى عند المغرم، ولا تتبدّل محبته بتبدّل الأحوال. يفرح لوطنه حين يزدهر، ويعتز بإنجازاته حين تتعاظم، ويزداد تمسكاً به حين تشتد التحديات. وفي السراء والضراء، يظل الوطن حاضراً في وجدانه، وتظل صلته به أعمق من أن تزعزعها عابرةٌ من الأيام.

وفي المواطن السعودي تتجلّى صورة الوفاء في معانيه الحيّة: في جنديٍّ يسهر على أمن وطنه، ومعلّمٍ يبني عقول أبنائه، وطبيبٍ يداوي آلامهم، وعاملٍ يتقن صنعته، وأمٍّ تغرس حب الوطن في نفوس أبنائها، وشابٍّ يرى في نهضة بلاده امتداداً لمستقبله. تتعدد الوجوه، وتتباين الأعمال، لكن يجمعها انتماءٌ يجعل العطاء للوطن معنى يتجاوز المصلحة الفردية إلى الإحساس بالمسؤولية والمصير المشترك.

ولعل أجمل ما في الوفاء السعودي أنه لا يحتاج دائماً إلى إعلانٍ عن نفسه؛ فكثيراً ما تتحدث عنه المواقف، وتكشف عنه الأفعال، وترويه تفاصيل الحياة اليومية. إنه وفاءٌ لا يُقاس بعلو الصوت، بل بصدق الموقف؛ ولا بكثرة الشعارات، بل بما وراءها من إخلاصٍ وعمل.

وإذا كان الولاء هو الجذر الذي يربط الإنسان بوطنه، فإن الوفاء هو الشجرة التي تكشف أصالة ذلك الجذر؛ تضرب في الأرض، وتشتد أمام الرياح، وتظلّل الأجيال بثمار انتمائها. وهكذا يبدو السعودي في علاقته بوطنه: انتماءً متجذراً، ووفاءً متصلاً، واعتزازاً لا تنفصل جذوره عن الدين والهوية والتاريخ.

فالولاء في قلب السعودي انتماء، والوفاء في مواقفه شهادة، والإخلاص في عمله برهان. وليس الوطن عنده ذكرى يحنّ إليها، ولا اسماً يتغنّى به فحسب؛ بل حاضرٌ يعتز به، ومستقبلٌ يشارك في صنعه، ورايةٌ يرى في رفعتها امتداداً لعزّ أهله وكرامتهم.

دامت المملكة العربية السعودية عزيزةً أبية، ودام السعودي وفياً لأرضه، معتزاً بهويته، شامخاً بانتمائه؛ يحمل وطنه في قلبه قبل كلماته، ويعبّر عن محبته في مواقفه قبل شعاراته.

فبعض الأوطان يسكنها أبناؤها، أما الوطن الذي يسكن أبناءه، فلا تختصره المسافات، ولا تغيّره الظروف، ولا تنقطع صلته بالقلوب. وتلك هي حكاية السعودي مع وطنه: وفاءٌ له جذور، وانتماءٌ له تاريخ، وعهدٌ تتوارثه الأجيال.