الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ اكتوبر-٢٠٢٦       5775

بقلم- عيسى المزمومي

لم يكن ارتدادُ العقل قرارًا اتخذته في لحظة، ولا فكرةً خطرت لي ثم انقضت، بل كان رحلةً بدأت بشرخٍ صغير في يقينٍ ظننته يومًا عصيًّا على التصدّع! 
بعد أسابيع من تلك الليلة التي غادرت فيها كورنيش الدمام مثقلًا بالأسئلة، وجدتني أسير في أزقّة حي الدواسر. كان الصباح هادئًا، والبيوت العتيقة تقف على جانبي الطريق كأنها تحفظ ذاكرة المكان، فيما كانت رائحة البحر تتسلّل مع نسيم الشتاء، فتوقظ في النفس حنينًا يصعب تفسيره.
هناك، التقيت صديق العمر، أبا حسن. جلسنا في مقهى شعبي اعتاد أهل الحي ارتياده منذ سنوات طويلة. كان المكان بسيطًا، لكن دفء الوجوه فيه كان يغني عن فخامة المجالس.
تأمّلني طويلًا، ثم قال:«لقد تغيّرت يا صاحبي... فما الذي حدث؟»
ابتسمت وقلت:«تعبت من السير في طرقٍ لم أخترها بنفسي، وأردت أن أعرف: لماذا أسير؟ وإلى أين أمضي؟»
هزّ رأسه مبتسمًا، وقال:«كنت أراك واثقًا من كل شيء، أمّا اليوم فأراك تُكثر من الأسئلة».
قلت بهدوء:«الثقة نعمة إذا قامت على بصيرة، لكنها تصبح قيدًا إذا قامت على التقليد. أمّا السؤال، فعلى ما يورثه من عناء، يمنح صاحبه صدقًا لا تمنحه الطمأنينة الزائفة».
افترقنا بعد حديث قصير، لكن كلماته ظلّت ترافقني، كأنها وضعت أمامي مرآةً لم أكن مستعدًا للنظر فيها من قبل.
عدت إلى البحر، وجلست أتأمّل الأفق البعيد. كانت الأمواج تمضي في هدوئها المعتاد، بينما تضطرب في داخلي عاصفة من الأسئلة. راودتني رغبة في العودة إلى يقيني القديم؛ فالوهم المألوف كثيرًا ما يبدو أكثر راحةً من حقيقةٍ لا تزال قيد التشكّل.
لكنني أدركت أن الراحة التي تُبنى على الخطأ ليست سوى هدنة قصيرة مع القلق، وأن ما نألفه ليس بالضرورة ما يستحق أن نؤمن به، كما أن ما يمنحنا الطمأنينة ليس دائمًا ما يقودنا إلى الحقيقة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أقرأ أكثر، وأصغي إلى الآراء المختلفة، لا لأجمع الأقوال أو أستبدل يقينًا بيقين، بل لأتعلّم كيف أزن الأفكار، وأميّز بين ما يستحق الإيمان وما يستحق المراجعة. وكم مرة ظننت أنني اقتربت من الحقيقة، قبل أن أكتشف أنني لم أغادر وهمًا إلا لأقع في وهم آخر!
فالبلاغة قد تُحسن تزيين الخطأ، كما تُحسن الشمس تلوين السراب، وقد تبدو الفكرة جميلةً إلى الحد الذي يجعلنا نغفل عن اختبار صحتها. غير أن جمال العبارة لا يكفي لإثبات صدقها، كما أن شيوع الفكرة لا يمنحها حصانةً من النقد. فالحقيقة لا تحتاج إلى زينةٍ تستر ضعفها، بل تحتاج إلى عقلٍ يتجرّد من هواه، وقلبٍ يتّسع للاعتراف حين تتكشّف له الأشياء على غير ما ألف.
ثم وجدتني أمام سؤال طالما تهرّبت منه:
ماذا أفعل بكل تلك الأعوام التي قضيتها في الطريق الخطأ؟! 
في البداية، حسبتها أعوامًا ضائعة، وكنت أتحسّر على ما مضى منها، كأن العمر صفحة يمكن استعادتها كلما اكتشفنا أننا أخطأنا القراءة. ثم أدركت، مع شيء من التأمل، أنها لم تكن ضائعة كلّها؛ فقد كانت العثرات نفسها هي التي علّمتني كيف أميّز الطريق، وكانت التجارب التي تمنّيت لو لم أعشها بعضَ الأسباب التي جعلتني أكثر قدرةً على فهم نفسي والآخرين.
فبعض الدروس لا تكتبها الكتب، بل تكتبها العثرات على صفحات العمر، ولا يمنحنا الزمن حكمته لمجرد أننا أمضينا فيه سنوات طويلة، بل حين نتعلّم من تلك السنوات، ونملك شجاعة النظر إلى ماضينا دون أن نُجمّله أو نُنكِر ما فيه.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أرى الرجوع إلى الصواب هزيمة، بل رأيته من أصدق صور النضج. فالإنسان لا يكبر بكثرة ما يعرف فحسب، بل بشجاعة ما يراجع، ولا ينضج لأنه لم يخطئ، بل لأنه لم يجعل من الخطأ وطنًا يقيم فيه، ولم يسمح لكبريائه أن يحول بينه وبين الاعتراف بالحقيقة.
وأصبحت، كلما هممت بالمضي في رأي أو اتخاذ قرار، أقف هنيهة، وأمنح نفسي فرصةً للتأمّل، ثم أسألها:
أهذا طريق اخترته ببصيرتي، أم طريق اعتدته حتى ظننته قدري؟! 
لم يعد السؤال عندي علامةً على ضعف اليقين، بل أصبح وسيلتي لاختباره، ولم أعد أخشى أن أكتشف خطأً في فكرة آمنت بها طويلًا؛ فالأشدّ إيلامًا من اكتشاف الخطأ أن نراه واضحًا أمامنا، ثم نواصل الدفاع عنه لأننا لا نريد الاعتراف بأننا أخطأنا.
وكلما صدقت في الإجابة، شعرت أن ارتداد العقل لم يكن رجوعًا إلى الخلف، بل كان أول خطوة صحيحة إلى الأمام؛ فليس كل تراجع هزيمة، كما أن ليس كل تقدّم وصولًا. وقد يمضي المرء سنواتٍ في اتجاهٍ لا يشبهه، ثم تكفيه لحظة صدق واحدة ليبدأ رحلة العودة إلى نفسه.
غادرت حي الدواسر في ذلك الصباح، وكانت الشوارع هي الشوارع، والبحر هو البحر، والمدينة لم تتغير! 
أمّا أنا، فلم أعد الرجل الذي جاء إليها قبل أسابيع يبحث عن الطريق، بل أصبحت رجلًا أدرك أن الطريق الصحيح لا يبدأ دائمًا بخطوة إلى الأمام، بل قد يبدأ بلحظة توقّف، وسؤال صادق، واعتراف شجاع بأن ما آمنّا به طويلًا قد لا يكون الحقيقة.
فأحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى طريقٍ جديد بقدر ما يحتاج إلى عقلٍ جديد يرى به الطريق القديم! 

ملاحظة :
شذرات من كتاب «يوميات خارج المألوف… تأملات في الإنسان والفكر والمجتمع»، المقرّر صدوره قريبًا.