المصدر : بقلم - عبدالله الكناني
التاريخ: ٢٠ اكتوبر-٢٠٢٦       5005

يصنع الإعلام وعي المجتمع بما ينتقيه من وقائع، وما يمنحه من تفسير، وما يكرره من مفردات وصور، وحين تختل هذه المسؤولية، قد تتحول المنصة من مصدر للمعرفة إلى أداة لتكريس المغالطة، حتى يستقر لدى بعض المتلقين أن المألوف صحيح، وأن كثرة تداول الرواية تغني عن التحقق منها.

تبدأ مواجهة هذه الظاهرة بفهم مصادرها، والتمييز بين جهل بعض الممارسين والتجهيل المتعمد، فضعف التأهيل، وقلة الاطلاع، والقصور في فهم التاريخ والسياسة ومصطلحاتهما، قد تدفع إعلاميًا إلى تقديم استنتاج خاطئ بثقة عالية، وتتضاعف المشكلة حين تحل الشهرة محل الاختصاص، ويتحدث الشخص في كل قضية باليقين نفسه، ثم تتحول محدودية معرفته إلى معرفة يتلقاها الجمهور.

أما التجهيل المتعمد، فينشأ حين تُخضع الوقائع لمصلحة سياسية أو أيديولوجية أو تجارية، عندها تُنتقى المعلومات المؤيدة للرواية، وتُحجب الوقائع المناقضة، وتُجزَّأ التصريحات، وتُستخدم عناوين توحي بما لا يثبته مضمونها، وقد تكون المعلومة صحيحة في أصلها، لكن اجتزاءها وإخفاء سياقها يجعلانها تؤدي وظيفة التضليل.

تدخل حسابات الربح والمشاهدة في تغذية هذا الخلل، حين تصبح الإثارة معيار النجاح، ويُقدَّم الغضب على الفهم، وقد حذرت اليونسكو من توجيه خوارزميات المنصات نحو تعظيم التفاعل على حساب موثوقية المعلومات، ومن مخاطر التضليل على التماسك الاجتماعي، وهذا يفسر جانبًا من اتساع انتشار المحتوى المستفز، ويؤكد مسؤولية المنصات عن طريقة توزيعه.

تكتمل دائرة التجهيل عندما تنقل منصة عن أخرى، ثم تستشهد الثالثة بانتشار الخبر، فيبدو الادعاء الواحد كأنه مؤكد من مصادر متعددة، ويساعد تأخر المعلومة الموثوقة أو غموضها على اتساع الفراغ الذي تستثمره الشائعة، كما يسهم المتلقي في استمرار الدائرة حين يعيد النشر لأن المحتوى يوافق مشاعره، ويمنح ثقته لمن يؤكد قناعته السابقة.

يدفع المجتمع ثمن ذلك في علاقاته وأحكامه ونقاشه العام، فالروايات المضللة قد تغذي الخصومة بين الشعوب، وتعمم مسؤولية جماعة على دولة، وتثير القلق، وتشوه السمعة، وتحجب القضايا الأهم، وحين تتكرر الصدمات بين ما نُشر وما ثبت، تتآكل الثقة حتى بالإعلام الجاد، ويصبح الجمهور أكثر استعدادًا لتصديق الشائعة أو الارتياب في كل معلومة.

تظهر خطورة هذا الخلل في تناول السعودية والقضية اليمنية، فاختزال المشهد في مواجهة بين السعودية واليمن يحجب وجود حكومة يمنية معترف بها دوليًا، ويمنح الميليشيا ضمنيًا صفة تمثيل الشعب والدولة، وقد أثبت قرار مجلس الأمن 2216 طلب الرئيس اليمني المساعدة، وطالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها وتسليم الأسلحة المستولى عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية.

يقتضي الإنصاف كذلك تناول الدعم الإيراني للحوثيين وفق الوقائع، وقد أكد استمراره تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن لعام 2025، وتبقى مساءلة هذا الدور مرتبطة بأدلته ومسؤولياته، مع صون الفارق بين سياسات الأنظمة وحقوق الشعوب، وبين الجماعات المسلحة والدول التي تعمل داخلها.

تستند السعودية، بعد توفيق الله، إلى عقيدتها الراسخة، وحكمة قيادتها الممتدة من المؤسس الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، وإلى شعبها وعمقها التاريخي والثقافي، وتحمّل هذه المكانة خطابها الإعلامي مسؤولية الدقة والشفافية والوفاء بقيمه في القول والعمل.

من هنا، يجب إنصاف الإعلام الصادق، وحماية مكانة النقد الموثق، والتفريق بين الخطأ الذي يُصحَّح والتضليل الذي يُصر عليه صاحبه، وتبدأ المعالجة بتأهيل الممارسين، وإتاحة المعلومات، وإعلان التصحيحات بوضوح، وتعليم المتلقي فحص المصدر والسياق والدليل، وهي مهارات تؤكد اليونسكو أهميتها في مواجهة اضطراب المعلومات.

يبني الإعلام المسؤول قدرة المجتمع على السؤال والتمييز، وتلك هي الحماية الأعمق من التجهيل، لأن المجتمع الذي يعرف كيف يتحقق، يصعب تحويل الأكاذيب في وعيه إلى مسلَّمات.