بقلم - إلهام المحمدي
هناك مرحلة من النضج لا يصل إليها الإنسان بعدد السنوات، بل بعمق التجارب التي عبرها، وبالوعي الذي اكتسبه من لحظات الخوف والانكسار والانتظار. مرحلة يدرك فيها أن أعظم سلام يمكن أن يعيشه ليس سلامه مع البشر أو الظروف، بل سلامه مع الله.
لقد أدركت أن السلام الحقيقي لا يعني أن تكون الحياة خالية من الابتلاءات، ولا أن تتحقق جميع الأمنيات، بل أن يبقى القلب مطمئنًا بالله، حتى حين تتغير الظروف وتضيق الأسباب وتتأخر الإجابات.
في مراحل سابقة، كنت أظن أن القوة تعني السيطرة على مجريات الحياة، وأن الاطمئنان يأتي عندما تنتهي المشكلات وتستقر الأمور. لكنني تعلمت أن ربط سلامنا بما يحدث خارجنا يجعلنا أسرى للتقلبات، وأن اليقين بالله يمنحنا طمأنينة لا ترتبط بكمال الظروف.
سلامي مع الله علّمني أن أسعى دون أن أستنزف نفسي، وأن أخطط دون أن أخاف من المجهول، وأن آخذ بالأسباب ثم أترك النتائج لحكمة الله.
لم أعد أريد أن أحمل همّ الغد قبل أن يأتي، ولا أن أعيش الخسارة في خيالي قبل وقوعها، ولا أن أرهق روحي بمحاولة تغيير ما لا أملك تغييره.
أصبحت أؤمن أن الرضا ليس استسلامًا، وأن التوكل ليس توقفًا عن العمل، وأن اليقين لا يعني غياب الخوف، بل يعني ألا نسمح للخوف بأن يقود حياتنا.
ومن أعمق ما تعلمته في رحلتي أن سلامي مع الله انعكس على سلامي مع نفسي ومع الآخرين. لم أعد أبحث عن قبول الجميع، ولا أحتاج إلى إثبات وجهة نظري في كل اختلاف، ولا أرى أن التسامح يلزمني بالعودة إلى كل علاقة استنزفت روحي.
تعلمت أن أضع حدودي بمحبة، وأن أبتعد دون كراهية، وأن أسامح دون أن أفقد حقي في حماية سلامي الداخلي.
فليس كل صمت ضعفًا، ولا كل ابتعاد قسوة، ولا كل تسامح عودة. أحيانًا يكون أعمق أشكال الوعي أن نترك الآخرين لاختياراتهم، ونختار لأنفسنا طريقًا أكثر اتزانًا وسلامًا.
ومع هذا النضج، تغيرت علاقتي بالدعاء. لم يعد مجرد طلب أنتظر تحقيقه، بل أصبح مساحة أمان ألجأ إليها بكل ما في قلبي من ضعف ورجاء وامتنان.
أدعو الله وأنا أعلم أن رحمته أوسع من تصوراتي، وأن حكمته أعظم من رغباتي، وأن تأخر ما أتمناه لا يعني غياب لطفه عن حياتي.
وكلما ضاقت بي الأسباب، تذكرت قوله تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
ما أعظم أن يعيش الإنسان بهذا اليقين؛ أن يرى محدودية الأسباب، لكنه لا يحد قدرة الله بها، وأن يثق بأن الفرج قد يأتي من أبواب لم تخطر له على بال.
لقد أدركت أيضًا أن الوفرة ليست مالًا فقط، وأن النجاح ليس منصبًا، وأن السعادة ليست حياة مثالية. فقد تكون أعظم النعم قلبًا لا يحمل ضغينة، ونفسًا تعرف قيمتها، وروحًا لا تفقد اتصالها بالله مهما اشتدت عليها الحياة.
سلامي مع الله حررني من الخوف من الفقد، ومن التعلق المرهق بالنتائج، ومن الاعتقاد أن قيمتي تتحدد برضا الآخرين عني.
أصبحت أكثر قدرة على استقبال النعم بالشكر، ومواجهة التحديات بالصبر والعمل، والتعامل مع نفسي بالرحمة بدلًا من اللوم المستمر.
واليوم، لا أدّعي أنني وصلت إلى الكمال، ولا أنني لن أخاف أو أحزن أو أتعب، فأنا إنسانة أحمل مشاعري وضعفي وأملي. لكنني تعلمت أن أعود إلى الله كلما اضطرب قلبي، وأن أراجع نفسي دون قسوة، وأن أواصل الطريق دون أن أفقد الثقة برحمته.
لم أعد أطلب من الحياة ألا تختبرني، بل أسأل الله أن يمنحني الحكمة والثبات حين أُختبر، وأن يجعلني أكثر وعيًا بعد كل تجربة، وأكثر رحمة بعد كل ألم، وأكثر امتنانًا بعد كل نعمة.
وفي نهاية رحلتي مع هذا الإدراك، أصبحت أرى أن أعظم انتصار للإنسان ليس أن ينتصر على الآخرين، بل أن يتحرر من مخاوفه، ويتصالح مع ماضيه، ويعيش حاضره دون أن يسجن نفسه في احتمالات المستقبل.
سلامي مع الله ليس أن أحصل على كل ما أريد، بل أن أثق بحكمته فيما أعطاني، وفيما منع عني، وفيما أخّره عني.
فأنا لا أعرف ما الذي يحمله الغد، لكنني أعرف أن الله هو المدبر، وأن رحمته لا تنفد، وأن قلبي حين يتوكل عليه يجد من السكينة ما يعينه على مواصلة الحياة.
وهنا أدركت أن السلام ليس غياب العواصف، بل أن يبقى القلب ثابتًا بالإيمان وسطها.
سلامي مع الله… أن أعيش الحياة بكل ما فيها، دون أن أفقد يقيني بمن بيده كل شيء.