الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ اكتوبر-٢٠٢٦       3025

بقلم ـ د. غالب محمد طه

في 18 مارس 2025، وبعد 286 يومًا في الفضاء، عاد رائدا الفضاء بوتش ويلمور وسونيتا ويليامز إلى الأرض. وحين فُتح باب الكبسولة، كان فريق الإنقاذ في انتظارهما ليساعدهما على الخروج. ثم بدأت مرحلة إعادة التأهيل لاستعادة التوازن والقوة والتكيف مع الجاذبية، ضمن برنامج لدى وكالة ناسا يستمر عادة 45 يومًا.

لم يستغرب أحد حاجتهما إلى المساعدة. فالعودة إلى الأرض لا تعني أن الجسد استعاد توازنه في اللحظة نفسها. وهذا ما يذكّرني بتجربة مختلفة تمامًا، تجربة إنسان أنهى مرحلة من علاج الإدمان، وبقي أمامه طريق لاستعادة عمله وعلاقاته وثقة من حوله. فلماذا نتوقع منه أن يقطع هذا الطريق وحده؟

في خبر كتبه الزميل الإعلامي فيصل عبدالله الأسلمي عن فعالية أقامتها جمعية «سند التعافي» في القرية الشعبية بحفر الباطن، بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، لفت انتباهي اهتمام الجمعية بتأهيل المتعافين لسوق العمل، إلى جانب الدعم النفسي ومساندة الأسر.

فالمتعافي قد يبذل كل ما يستطيع في العلاج والتأهيل، وقد تقف أسرته والمقربون منه إلى جانبه، لكنه لا يستطيع وحده أن يضمن فرصة عمل، أو أن يقرر متى يستعيد الآخرون ثقتهم به.

وليست هذه قضية مدينة أو بلد واحد. فقد قدّر تقرير المخدرات العالمي لعام 2026، الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، عدد من يعانون اضطرابات تعاطي المخدرات بنحو 63 مليون شخص في عام 2024، ولم يحصل على أي شكل من العلاج سوى واحد من كل اثني عشر منهم. وخلف هذه الأرقام أسر عانت القلق والألم، ودول تتحمل أعباء العلاج والتأهيل وتبعات الإدمان الصحية والاجتماعية والاقتصادية. وحتى الذين يصلون إلى العلاج يحتاج كثير منهم إلى مساندة تمتد لما بعده.

وفي المملكة العربية السعودية، يمتد الاهتمام بعلاج الإدمان إلى التأهيل والاندماج المجتمعي، وهو توجه تعكسه جهود الجمعيات المتخصصة في مساندة المتعافين. ففي الرياض، أعلنت جمعية «صمود»، في 12 فبراير 2026، استفادة أكثر من 440 شخصًا من برامج الدمج والملتقيات المجتمعية، إلى جانب جهودها في التأهيل المهني التي تشمل مهارات الحاسب والعمل الإداري. ويُحسب لجمعية «سند التعافي» في حفر الباطن اهتمامها بالتأهيل المهني ومساندة الأسرة ضمن خدماتها، وهي تجربة تستحق التقدير والاستمرار.

وتظهر القيمة الأعمق لهذه المبادرات في حياة المستفيدين بعد انتهاء البرامج والفعاليات. فالتدريب قد يفتح بابًا للعمل، والعمل يمنح الإنسان فرصة للاستقرار وتحمل المسؤولية. ومن المهم أن يمتد هذا الاهتمام إلى متابعة المتعافين ومعرفة ما تحقق لهم من فرص، ومدى قدرتهم على الاستمرار فيها، مع مراعاة خصوصيتهم وظروفهم.

ولا تغيب عن هذه الصورة معاناة الأسر التي قد تحتاج إلى وقت طويل حتى تستعيد اطمئنانها بعد تجارب مؤلمة. والمتعافي بدوره مطالب بمواصلة علاجه وتحمل مسؤولياته، غير أن طريق العودة يصبح أكثر صعوبة حين يظل ماضيه حاضرًا في نظرة الآخرين إليه، مهما اجتهد في تغيير حياته.

ولعل ما يستحق الاهتمام أيضًا أن تمتد هذه الروح إلى قضايا اجتماعية أخرى في مجتمعاتنا العربية. فهناك من يغادرون المؤسسات الإصلاحية ويواجهون صعوبة في استئناف حياتهم، وهناك من تلاحقهم الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية. ولكل تجربة ظروفها واحتياجاتها، لكن الحاجة إلى فرصة عادلة ومساندة مناسبة تجمع بين كثير منها.

أما رائدا الفضاء، فقد وجدا فريقًا ينتظرهما عند العودة. وغدًا قد يقف متعافٍ أمام مسؤول توظيف، يحمل مؤهلاته ورغبته في العمل.

فهل يسأله عمّا يستطيع أن يقدمه اليوم، أم يظل ماضيه حاضرًا في الإجابة؟

وبالله التوفيق