الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ سبتمبر-٢٠٢٦       5720

بقلم : عبدالمحسن محمد الحارثي

ليس كل خطرٍ يزحف في العراء؛ بعضه يُفرش كسجادٍ ناعمٍ مزخرف، ثم يكشف أنيابه حين يطمئن إليه العابرون. فالخطر الحقيقي لا يبدأ لحظة إطلاق الرصاص، بل لحظة إقناع الناس بأن الخطرَ ليس خطرًا. هكذا يبدو نظام الملالي في قراءة أربعة عقود: مشروعٌ حوّل دولةً ذات تاريخٍ وموارد وشعبٍ كبير، إلى منصةٍ للصواريخ والأذرع والهواجس الإقليمية.

 

وصل النظام إلى طهران في لحظةٍ دولية مضطربة، ثم أتقن اللعب على المتناقضات: يفاوض بوجه، ويهدد بوجه، ويرفع شعار العداء للقوى الكبرى، فيما يعرف كيف يستثمر صراعاتها وحساباتها. وقد لخّص سون تزو هذه القاعدة بقوله: «كلُّ الحروب قائمةٌ على الخداع»؛ والخداع هنا ليس في الميدان وحده، بل في رفع الشعارات التي تُخفي خلفها مشروعًا آخر.

 

كانت الحرب العراقية الإيرانية مختبرًا حاسمًا لهذه العقيدة. بدأت بغزو العراق لإيران، ثم تحولت إلى حرب استنزاف طويلة أسهمت في بناء الحرس الثوري وتعبئة الداخل وربط بقاء السلطة بفكرة الخطر الخارجي. وبعد انتهائها، لم تُغلق الحرب في العقل السياسي للنظام؛ بل خرج منها بفكرةٍ أكثر خطورة: أن المعركة لا يلزم أن تُخاض داخل الحدود، وأن النفوذ الأقل كلفة هو الذي تُديره أيدٍ محلية وعقولٌ مستأجرة.

 

ولهذا لم تكن الأذرع مجرد مجموعاتٍ مسلحة؛ إنها شبكةٌ مكتملة: مالٌ يغذي، وعقيدةٌ تؤدلج، ومنابرٌ تبرر، وأصابع محلية تضغط الزناد. تُضخ فيها الأموال بلا حساب، بينما يعاني الشعب الإيراني من ضيق التنمية وتآكل فرص الحياة. فقبل كل طلقة، ثمة عقلٌ جرى تعبئته، وشعارٌ جرى تسويقه، وروايةٌ جرى ترتيبها لتبدو الميليشيا مقاومة، والفوضى حقًا، والولاء للخارج قضيةً مقدسة.

 

وهنا تحضر فكرة المفكر مالك بن نبي عن «القابلية للاستعمار»؛ فالاختراق لا ينجح بالقوة الخارجية وحدها، بل حين يجد في الداخل عقلًا قابلًا للتبعية، ونخبةً تقبل أن تبيع وطنها مقابل وهمٍ مذهبي أو نفوذٍ عابر. فالدولة التي لا تحصّن وعيَ مجتمعها، قد تستيقظ لتجد أن خصمها لا يحتاج إلى عبور حدودها؛ لأن بعض أبنائها صاروا حدوده المتقدمة.

 

وقد أدرك النظام مبكرًا أن الإعلام ليس تابعًا للسلاح، بل سلاحٌ موازٍ له. فالصاروخ يصيب موقعًا، أما الرواية فتستهدف عقلًا ومجتمعًا. لذلك استثمر في القنوات والمنصات والناطقين والحسابات المؤثرة، واستمال كل قلمٍ قابلٍ للاستئجار وكل لسانٍ قادرٍ على التهييج؛ حتى غدت السلطة الرابعة مرآةً مصنوعة، لا تعكس الواقع كما هو، بل كما يراد للناس أن يروه.

 

وتفرّق الفيلسوفة حنة آرندت بين السلطة والعنف: فالسلطة تقوم على قبولٍ ومشروعية، أما العنف فيظهر غالبًا حين تعجز السلطة عن الإقناع. وهذه هي مفارقة المشروع الإيراني؛ إذ يملك وفرةً من أدوات القتل، لكنه لا يملك قبولًا طبيعيًا في محيطه العربي، فيستعيض عن الشرعية بالأذرع، وعن الإقناع بالتهديد، وعن الجوار الطبيعي بجغرافيا الخوف.

 

ثم جاء توظيف المذهب في السياسة. لم يحمل النظام الإسلام بوصفه جامعًا للأمة، بل بوصفه هويةً مذهبيةً مسيّسة، غذّى بها الانقسام بين السنة والشيعة، وحوّل الاختلاف إلى ممرٍ للنفوذ. والنتيجة أذرعٌ عربية تعمل خارج مصالح أوطانها، وتستنزف مجتمعاتها باسم المقاومة حينًا وباسم المظلومية حينًا آخر.

 

قال أرسطو: «الإنسان مدنيٌّ بالطبع»؛ أي إن طبيعته السليمة تقوم على العيش في جماعةٍ تحفظ له كرامته ومصلحته. أما تحويل الإنسان إلى أداةٍ في يد مشروعٍ خارجي، فهو انتزاعٌ له من وطنه ومجتمعه، ودفعٌ به إلى خصومة أهله باسم ولاءٍ لا يعود عليه ولا على بلده إلا بالخراب.

 

أما العراق، فكان العائق الجغرافي والاستراتيجي الأكبر أمام التمدد الإيراني. وحين غزا صدام حسين الكويت وهدد الخليج، فُتح باب التدخل الدولي لحماية المنطقة. لكن ما تلا ذلك من حصارٍ وحروب وفوضى أضعف الدولة العراقية وأفرغها من كثيرٍ من عناصر توازنها؛ فكان العراق أقل قدرةً على حماية قراره، وكانت إيران أكثر حضورًا في قلبه. وفي السياسة لا يوجد فراغٌ بلا صاحب؛ إذا تأخرت الدولة عن ملئه، دخلته المشاريع العابرة للحدود.

 

وكما لخّص ابن خلدون القاعدة: «الظلم مؤذن بخراب العمران». والظلم السياسي لا يقع على الفرد وحده؛ يقع على الأوطان حين تُسرق ثرواتها لتنفق على حروبٍ لا تعود على أهلها إلا بالفقر والعزلة، وحين تُقدَّم أوهام التوسع على حق الناس في الأمن والحياة.

 

إن أخطر ما في هذا المشروع ليس ترسانته الصاروخية وحدها، بل عقيدته السياسية: أن أمنه يتحقق بخلخلة أمن الآخرين، وأن نفوذه يكبر كلما تصدعت الدول العربية، وأن رمزية مكة والمدينة وأمن الحج يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغطٍ ونفوذ. ومن هنا يصبح أمن الحرمين وأمن الحجاج قضيةً تتجاوز حدود دولة؛ إنها قضية العالم الإسلامي كله.

 

والحقيقة التي ينبغي قولها بلا مواربة: لم ولن يستقر أمن الشرق الأوسط ما دام نظام الملالي قائمًا على تصدير الفوضى، ورعاية الأذرع، واستثمار الانقسام، وتهديد الجيران. فالمطلوب ليس خصومة إيران كبلدٍ وحضارة، ولا معاقبة شعبها؛ بل تغيير النهج الذي اختطف الدولة، وتغيير السياسات التي جعلت أمن الجوار وقودًا لمشروع التوسع.

 

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. والخليج لا يحتاج إلى مزيدٍ من الهواجس ولا إلى تحالفاتٍ متفرقة؛ بل إلى وحدة بوصلة، واستخباراتٍ تتقدم الحدث، وصناعة عسكرية مشتركة، وإعلامٍ مهني يكشف الرواية المضللة، وموقفٍ سياسي لا يترك فراغًا لمن يحسن التسلل إليه.

 

فأفعى السجاد لا تُهزم بالصراخ عند رؤيتها، بل بكشفها قبل أن تُفرش، وقطع الطريق على من يمدّها.