بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
أربع كلمات أقامت ميزان الحياة الزوجية: الإمساك، والمعروف، والتسريح، والإحسان. فلم يأتِ الإمساك مجردًا؛ لأنه بلا معروف قد يتحول إلى قيد، ولم يأتِ التسريح مطلقًا؛ لأنه بلا إحسان قد ينقلب إلى انتقام.
فالمعروف أدب البقاء: مودة، ورحمة، وعدل، وحوار، وصيانة للكرامة. وليس الإمساك أن يبقى الزوجان تحت سقف واحد وقد افترقت القلوب، أو يُستبقى أحدهما للإضرار به؛ إنما أن يبقى السكن سكنًا، والاحترام حاضرًا عند الاختلاف.
فالبيت لا يحتاج إلى زوجين بلا أخطاء، بل إلى قلبين يعرفان كيف يمنعان الخطأ من أن يصبح عداوة.
أما الإحسان فهو أدب الرحيل؛ لأن لحظة الفراق أشد اللحظات حاجةً إلى الأخلاق. والإحسان أن تُؤدَّى الحقوق من غير مماطلة، وتُصان الأسرار من غير تشهير، وألا يُستعمل الأبناء أدواتٍ للضغط. فالعدل أن تعطي الآخر حقه، والإحسان أن تعطيه حقه من غير إذلال.
لكن الملاحظ في زماننا اتساع مساحة التسريح وضيق مساحة الإمساك؛ لا لأن البيوت فقدت قدرتها على الاستمرار، بل لأن بعض القرارات أصبحت أسرع من الحكمة، وأعلى صوتًا من العقل.
موقف عابر يُضخَّم، وكلمة غضب تُحمَّل ما لا تحتمل، وخلاف صغير يُترك بلا معالجة حتى يتراكم. وبدل أن يبحث الزوجان عن حل يحفظ البيت، يدخلان معركة يريد كل واحد منهما أن يخرج منها منتصرًا.
حين يبحث الزوجان عن منتصر ؛ يصبح البيت أول المهزومين.
ومن أسباب التسريح المتعجل ضعف الثقافة الزوجية؛ فبعض الناس يدخل الزواج مثقلًا بالتوقعات، فقيرًا في أدوات الحوار؛ يعرف كيف يطالب بحقه، ولا يعرف كيف يؤدي واجبه، ويجيد إحصاء أخطاء شريكه، ويعجز عن الاعتراف بخطئه.
كما أن تأخير المعالجة يحوّل الخلاف الصغير إلى تاريخ من الألم؛ فما كان يمكن إنهاؤه باعتذار، يتحول بالصمت إلى جفاء، وبالعناد إلى قطيعة، وبتدخل الآخرين إلى معركة كرامة يصعب التراجع عنها.
ثم يقع الطلاق في لحظة انفعال، ويأتي بعده الندم الصامت؛ حين تهدأ النفوس، ويكتشف الطرفان أن بعض ما هُدم كان يمكن إصلاحه، لكن الكبرياء الذي عجّل بالفراق يمنع الاعتراف.
ولا يعني ذلك أن كل طلاق خطأ؛ فبعض الفراق نجاة من ضرر لا يُحتمل. وليس كل بقاء فضيلة، كما أن كل رحيل ليس خطيئة. لكن الفرق كبير بين تسريح جاء بعد استنفاد الإصلاح، وآخر صنعته العجلة أو غذّاه حب الانتصار.
إن علاج كثرة التسريح لا يبدأ عند أبواب المحاكم، بل قبل الزواج بحسن الاختيار والتأهيل، وبعده بالحوار والاستشارة المبكرة. فنحن نُحسن إعداد ليلة الزفاف، ولا نحسن دائمًا إعداد زوجين لعمر كامل.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ فقد ينتهي العقد، لكن لا ينبغي أن تنتهي المروءة، وقد ترحل المودة، لكن لا يجوز أن ترحل الأخلاق.
المعروف أدبُ البقاء، والإحسان أدبُ الرحيل؛ فلا الإمساك استعباد، ولا التسريح انتقام.
فإن بقيتما ؛ فليكن البقاء بالمعروف، وإن تعذر الطريق، فليكن الرحيل بالإحسان؛ حتى لا يصبح قرار ساعة غضب ندمًا صامتًا يمتد بقية العمر.