الكاتب :
التاريخ: ٠٨ سبتمبر-٢٠٢٦       3080

بقلم - د. فايز الأحمري

لم تعد الصحافة في زمن الذكاء الاصطناعي حكرًا على من تمرّسوا في بلاط الحرف، وأمضوا أعوامًا في صقل أدواتهم بين الخبر والمقال والتحقيق، بل أطل علينا جيل جديد من الكتّاب الذين وجدوا في التقنيات الحديثة طريقًا سريعًا إلى عالم الكتابة، حتى بدا المشهد وكأننا أمام «ولادة كتاب صحفيين من رحم الذكاء الاصطناعي».
ولا شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولًا مهمًا في صناعة المحتوى، وأصبح أداة نافعة في توليد الأفكار، وترتيبها، وتحسين الأسلوب، واختصار الوقت والجهد. غير أن الأداة، مهما بلغت قدرتها، لا تمنح صاحبها صفة الكاتب الصحفي؛ فالكتابة الصحفية مسؤولية قبل أن تكون مهنة، وأمانة قبل أن تكون حضورًا على صفحات الصحف والمنصات.
فالكاتب الصحفي الحقيقي يبدأ من المصدر، ويتعامل مع الخبر والمعلومة بدقة وأمانة، فلا يقتطع من السياق ما يخدم فكرته، ولا ينسب قولًا إلى غير قائله، ولا يحول الشائعة إلى حقيقة، ولا يجعل الإثارة غايته ، وهو يدرك أن الكلمة قد تصل إلى آلاف القراء، وأن ما يكتب قد يترك أثرًا في الرأي العام، ولذلك فإن التثبت والتحقق من المعلومات أساس لا غنى عنه.
والكاتب الصحفي كذلك صاحب أدوات؛ يتقن اللغة العربية وقواعدها وإملاءها، ويفهم مضمون ما يكتب قبل أن يطلب من القارئ فهمه، ويملك أسلوبًا جميلًا واضحًا بعيدًا عن التكلف والحشو والتكرار والألفاظ السوقية ، كما يراعي الفروق الفردية بين القراء، ويعرف متى يتحدث، وكيف يعرض فكرته، وما الذي ينبغي أن يقال وما الذي لا ضرورة للخوض فيه.
وهنا تبرز شخصية الكاتب؛ فالمقال الجيد ليس مجموعة عبارات منمقة، وإنما بصمة صاحبه، ورؤيته، وتجربته، وقدرته على صياغة فكرة تحمل شيئًا من روحه. 
ولهذا فإن مقارنة بعض ما يقدمه بعض الوافدين الجدد إلى عالم الكتابة الصحفية اليوم بما كانوا ينشرونه بالأمس تكشف أحيانًا فرقًا شاسعًا في اللغة والأسلوب والبناء، بما يوحي بأن النص الجديد لم يصدر عن تطور طبيعي في أدوات الكاتب، بقدر ما أفرزه له الذكاء الاصطناعي.
وهذا لا يعني رفض الاستفادة من الذكاء الاصطناعي أو التقليل من شأنه؛ فالكاتب الواعي يستطيع توظيفه في العصف الذهني، وتنظيم الأفكار، وتحسين الأسلوب، ومراجعة النص ، لكن الفارق كبير بين أن تستخدم الأداة لخدمة موهبتك، وأن تستخدمها لتعويض غياب الموهبة والمعرفة.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح ، ويرتب ويصوغ، لكنه لا يمنح الكاتب تجربته، ولا يصنع وعيه، ولا يزرع في النص موقفًا صادقًا نابعًا من صاحبه ، ولذلك يبقى المحتوى هو المعيار الحقيقي للحكم على الكاتب: ماذا يضيف؟ وما قيمة ما يكتب؟ وهل يحمل النص فكرًا صادقًا ورؤية واضحة ومسؤولية تجاه القارئ؟
لقد كان الكاتب الصحفي بالأمس يصنع أدواته ببطء؛ يقرأ، ويكتب، ويخطئ، ويتعلم، ويهذب لغته، ويصقل أسلوبه، حتى تتكون له شخصية يعرفها القارئ من بين السطور ، أما اليوم فقد أصبح الوصول إلى منصة النشر أسهل، لكن إثبات جدارة الكاتب أصبح أصعب.
وفي زمن يستطيع فيه الجميع إنتاج نص حسن المظهر، ستبقى القيمة لمن يستطيع إنتاج نص صادق، عميق، متماسك، مسؤول، يحمل ملامح صاحبه ولا يشبه سواه.
فالصحافة ليست أن تعرف كيف تكتب فحسب، بل أن تعرف لماذا تكتب، ولمن تكتب، وماذا سيبقى من كلماتك بعد أن تهدأ ضجة اللحظة ، ومن امتلك هذه المعاني امتلك جوهر الكاتب الصحفي، سواء استعان بالذكاء الاصطناعي أم كتب بقلمه ، أما من فقدها، فلن تنقذه أفصح العبارات؛ لأن الكاتب الحقيقي لا تصنعه الآلة، وإنما تصنعه المعرفة، والتجربة، واللغة، والضمير.