الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ سبتمبر-٢٠٢٦       2475

وائل العتيبي ـ النهار
في البندقية، حيث تتقاطع ذاكرة الفن مع أسئلته الأكثر حداثة، تفتح الفنانة التشكيلية السعودية شاليمار شربتلي فصلًا جديدًا في تجربتها؛ فصلًا لا تكتفي فيه اللوحة بأن تُرى، بل تسعى إلى أن تتحرك وتتجسد وتتجاوز إطارها.

في قصر «بالاتزو دونا ديل روز» التاريخي، تقدم شربتلي، من 3 إلى 18 سبتمبر 2026، 15 لوحة إلى جانب عمل نحتي جديد يمثل أول حضور لنموذجها النحتي ضمن مشروع «شالزم»، في مشاركة تأتي ضمن معرض للفن المعاصر المصاحب للفعاليات المرتبطة بالدورة الحادية والستين من بينالي فينيسيا الدولي للفنون، ويتقاطع مع برامج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الغامرة والموسيقى الحية.

وتبدو أهمية هذه المحطة في أنها لا تقدم شربتلي بوصفها فنانة سعودية تعرض أعمالها في الخارج فحسب، بل بوصفها فنانة تحمل مشروعًا يتطور باستمرار، ويبحث في السؤال القديم والجديد معًا: أين ينتهي العمل الفني، وأين يبدأ فضاؤه؟

من هنا يأتي «شالزم» بوصفه امتدادًا طبيعيًا لرحلتها، لا خروجًا عليها. فالنحت ينقل تجربتها من السطح إلى الكتلة، ومن اللون إلى الفراغ، ومن اللوحة إلى فضاء ثلاثي الأبعاد، بينما يواصل «الفن المتحرك» الفكرة ذاتها بطريقة أخرى، بعدما دفعت شربتلي العمل الفني من الجدار إلى السيارات، محولة المركبة إلى مساحة بصرية متحركة.

كانت تلك التجربة إحدى العلامات الفارقة في مسيرتها؛ إذ أصبح الفن معها قادرًا على مغادرة قاعة العرض والوصول إلى المجال العام، فيما حضرت أعمالها في محطات دولية، بينها «آرت شوبينغ» في «كاروسيل دو لوفر» بباريس، كما أدرجت دار المزادات الإيطالية «أستي بولافي» في تورينو عملها «تورك 2017» ضمن مزاد للفن الحديث والمعاصر.

لكن قراءة تجربة شربتلي لا تبدأ من البندقية، وإن كانت البندقية تكشف اليوم أحد أكثر فصولها نضجًا. فمن جدة، حيث ولدت ونشأت وبدأت الرسم في سن مبكرة، تشكل وعيها الفني عبر فضاء مديني مفتوح على البحر والتجارة والثقافات. وأقامت معرضها الأول في القاهرة في سن مبكرة، ثم درست علم النفس وحصلت على درجة الماجستير في علم الإجرام، قبل أن تتسع تجربتها الفنية عبر البحث والتجريب.

وكان حضورها في المجال العام السعودي أحد وجوه هذا التحول؛ إذ أسهمت في نقل الفن من فضاء القاعة إلى المدينة، لتصبح تجربتها جزءًا من مسار أوسع شهد اتساع حضور الفنانة السعودية وتطور المشهد التشكيلي في المملكة.

اليوم، في البندقية، تدخل هذه التجربة حوارًا جديدًا مع التكنولوجيا. فالمعرض يأتي ضمن برنامج يتجاور فيه الفن المعاصر مع الذكاء الاصطناعي والتجارب الغامرة، بما يضع أعمال شربتلي أمام أسئلة المرحلة: هل تستطيع التكنولوجيا أن تغير أدوات الفن دون أن تغير جوهره؟

رؤيتها واضحة في هذا السياق: التكنولوجيا توسع إمكانات الفنان، لكنها لا تصنع الرؤية؛ فالإنسان، بإحساسه وخياله وتجربته، يظل مركز العملية الإبداعية.

ولهذا تبدو شربتلي، في حضورها الدولي، أقرب إلى فنانة تتحرك بين الوسائط بدل أن تنتمي إلى وسيط واحد. اللوحة عندها ليست نهاية التجربة، بل نقطة انطلاق؛ قد تقود إلى سيارة، أو إلى منحوتة، أو إلى فضاء غامر، أو إلى حوار مع التكنولوجيا.

ولا تبدو البندقية محطة منفردة في هذا المسار؛ فقد تلقت شربتلي دعوات لمشاركات فنية مقبلة في إيطاليا وألبانيا والنمسا، بينها بينالي ألبانيا في ديسمبر 2026، إلى جانب دعوة لتنفيذ عمل فني على جندول إيطالي يعرض في أحد المتاحف التراثية، ومشاريع محتملة تجمع الفن والتصميم والصناعات الإبداعية.

هكذا يتسع حضورها من معرض إلى مشروع، ومن مشروع إلى حوار عالمي حول موقع الفن السعودي في المشهد المعاصر.

ولعل هذا ما يجعل لقب «فنانة ما بعد الإطار» أكثر من توصيف صحفي؛ فهو يلخص تجربة اختارت منذ وقت مبكر ألا تتعامل مع اللوحة بوصفها حدودًا، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا على الحركة والمدينة والنحت والتصميم والتكنولوجيا.

من جدة إلى البندقية، لا تصطحب شاليمار شربتلي اللوحة السعودية إلى العالم فحسب؛ بل تحاول أن تمنحها حرية أن تكون أكثر من لوحة.