الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ أغسطس-٢٠٢٦       7150

بقلم ـ عيسى المزمومي

ليست كل المدارس قاعاتٍ تزدحم بالمقاعد، ولا كل الدروس تُلقى من فوق المنابر. ثمّة مدارس تمشي على قدمين، وتكتب سيرتها في ضمائر الناس قبل أن تُكتب في الكتب. أصحاب هذه المدارس لا يعلنون أنهم معلمون، ولا يرفعون شعارات القدوة، لكن حياتهم نفسها تتحول إلى منهج يتعلم منه الآخرون دون أن يشعروا. ولعل أجمل ما في هذه المدارس أنها لا تمنح شهادات ورقية، بل تترك في الإنسان أثرًا يرافقه ما بقي من العمر! 
ومن بين الأسماء التي مرّت في حياتي، ولم تكن تعلم أنها أسهمت في تشكيل شيء من وعيي المهني والإنساني، يبرز اسم الإعلامي والزميل الأستاذ سليمان محمد العمير.
ولم يكن حضوره في ذاكرتي مرتبطًا بمنصب، أو بمقال، أو بخبر صحفي، بل بمعنى أعمق من ذلك كله؛ بمعنى الإنسان الذي آمن بأن الكلمة أمانة، وأن الصحافة لا تستحق شرفها إلا إذا بقيت وفية للناس قبل أن تكون وفية للعناوين.
حين بدأت أخطو خطواتي الأولى في عالم الصحافة، كنت أظن أن المهنة تقوم على مهارة الكتابة وحدها، وأن جودة الأسلوب تكفي ليصبح المرء صحفيًا ناجحًا. غير أن الأيام كانت أكثر حكمة من ظنوني؛ فقد اكتشفت أن الكتابة ليست سوى الجزء الظاهر من جبل عظيم، أما أساسه الحقيقي فيقوم على النزاهة، والصبر، واحترام الحقيقة، والإيمان بأن القلم مسؤولية قبل أن يكون وسيلة للتعبير.
وكان من حسن حظي أن ألتقي في مسيرتي بأشخاص جسّدوا هذا المعنى في سلوكهم قبل كلماتهم، وكان العمير، الزميل والأستاذ في صحيفة «اليوم»، واحدًا من هؤلاء.
رأيت فيه هدوء الواثق، واتزان من يعرف أن ضجيج الشهرة لا يصنع قيمة، وأن الصحفي الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد ما يُنشر باسمه، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه في الناس، وبعدد القضايا التي استطاع أن يكون فيها صوتًا لمن لا صوت لهم! 
لقد لفت انتباهي فيه أنه لم يكن يتعامل مع الناس بوصفهم مصادر للأخبار فحسب، بل بوصفهم بشرًا يحمل كل واحد منهم قصة تستحق أن تُسمع. وكان يؤمن، فيما بدا لي، بأن الخبر يبدأ بالإنسان وينتهي إليه، وأن الصحافة التي تنسى الإنسان تفقد مبرر وجودها، مهما بلغت براعتها في الصياغة، أو سرعتها في النشر.
ومن هذه النظرة تعلمت أن الإعلام ليس سباقًا إلى نشر الخبر بقدر ما هو سباق إلى تحري الصدق. فالسبق الحقيقي ليس أن تكون أول من يكتب، وإنما أن تكون أصدق من كتب، وأعدل من عرض، وأحرص على أن تغادر كلماتك القارئ وقد زادت ثقته، لا حيرته.
ومع مرور الأعوام، ازددت يقينًا بأن المهنة تكشف أصحابها كما تكشف النار معدن الذهب. ففي الأيام الهادئة يبدو الجميع متشابهين، أما حين تتزاحم الضغوط، وتتشابك المصالح، وتكثر المغريات، فإن النفوس تظهر على حقيقتها. وهناك يتبين الفرق بين من يرى الصحافة سلّمًا للمكاسب، ومن يراها رسالة يحملها على كتفيه، ولو أثقلت خطاه.
وكان أكثر ما شدني في تجربة العمير أنه لم يجعل من الإعلام طريقًا إلى ذاته، بل جعله طريقًا إلى الناس. كان يرى أن قيمة الصحفي لا تُقاس بمدى حضوره في الصورة، بل بمدى حضوره في وجدان المجتمع. وأن المقال الذي يخفف معاناة إنسان، أو يلفت نظر مسؤول إلى قضية، قد يكون أعظم أثرًا من عشرات المقالات التي لا تتجاوز حدود الورق.
ولعل هذه الفكرة هي التي بقيت ترافقني كلما أمسكت بالقلم. فقد أدركت أن الكاتب يستطيع أن يملأ الصفحات بالكلمات، لكنه لا يستطيع أن يملأ القلوب إلا إذا كتب بصدق. وأن المقالة ليست استعراضًا للبلاغة، وإنما عهد أخلاقي بين الكاتب وقارئه؛ فإذا خان الكاتب هذا العهد، فقد شيئًا من شرف المهنة، مهما حاز من إعجاب.
ومن هنا، لم يعد العمير في ذاكرتي مجرد صحفي ناجح، بل أصبح رمزًا لمعنى أوسع؛ معنى أن يعيش الإنسان رسالته كل يوم، وأن يجعل من مهنته وسيلة لخدمة الناس، لا وسيلة للعبور فوقهم.
وهذه هي المدرسة التي لا تُقام لها المباني، لكنها تبقى قائمة في النفوس، ويتخرج منها كل من آمن بأن الكلمة الصادقة قد تغيّر حياة إنسان، وأن النزاهة ليست شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس في كل موقف.
ولم تكن أكثر الدروس أثرًا في حياتي تلك التي سمعتها في قاعات المحاضرات، ولا تلك التي قرأتها بين دفتي الكتب، بل كانت الدروس التي رأيتها متجسدة في سلوك البشر. فالإنسان يتأثر بالفعل أكثر من القول، ويصدق المواقف أكثر مما يصدق الشعارات. ولهذا كنت أؤمن دائمًا بأن القدوة الصامتة أبلغ من الخطب الرنانة، وأن السيرة المستقيمة أعمق أثرًا من ألف موعظة.
ولقد وجدت في تجربة العمير هذا المعنى حاضرًا بهدوء. فلم يكن من أولئك الذين يكثرون الحديث عن المهنية، بل كان يترك عمله يتحدث عنه. ولم يكن يسعى إلى صناعة صورة براقة لنفسه، لأن الإنسان الذي يخلص لرسالته لا يحتاج إلى أن يزينها بالكلمات.
فالأعمال الصادقة تمتلك قدرة عجيبة على التعريف بأصحابها، حتى وإن آثروا البقاء بعيدًا عن دائرة الضوء.
وأحسب أن أعظم ما يميز الإعلامي الحقيقي أنه يدرك أن الكلمة ليست ملكًا لكاتبها وحده، بل أمانة يحملها إلى المجتمع. ولذلك فإن كل حرف يكتبه ينبغي أن يمر أولًا على ضميره قبل أن يمر على الورق. فالصحافة التي تفقد ضميرها تتحول إلى ضجيج، والكلمة التي تنفصل عن الأخلاق تفقد قيمتها، مهما بلغت فصاحتها.
ومع مرور الزمن، ازددت اقتناعًا بأن الإعلام لا يصنعه القلم وحده، وإنما تصنعه الشخصية التي تمسك بذلك القلم. فقد يمتلك اثنان اللغة نفسها، والقدرة ذاتها على التعبير، لكن أحدهما يكتب بحثًا عن الحقيقة، بينما يكتب الآخر بحثًا عن التصفيق. والفرق بينهما لا تصنعه البلاغة، وإنما تصنعه النية.
لقد علمتني هذه التجربة أن النزاهة ليست موقفًا يُتخذ في الأزمات فقط، بل هي أسلوب حياة؛ تبدأ من احترام الحقيقة، وتمر باحترام الناس، وتنتهي باحترام الإنسان لنفسه.
فمن اعتاد أن يساوم على قلمه، لن يستطيع أن يحافظ على احترامه طويلًا، أما من جعل الصدق رفيقه، فقد ربح، وإن خسر كثيرًا من المكاسب العابرة.
ولعل من أجمل الصفات التي تستوقفني في أصحاب الرسالة أنهم لا ينظرون إلى نجاح الآخرين بوصفه تهديدًا لهم، بل يرونه امتدادًا لما يؤمنون به. فالعقول الكبيرة لا تضيق بالمواهب الجديدة، وإنما تفرح بها؛ لأنها تدرك أن المعرفة لا تُحتكر، وأن الكلمة الصادقة كلما تعددت أقلامها، اتسعت دائرة أثرها.
وهذا ما جعلني أعيد النظر في معنى النجاح. فقد كنت، في بدايات الطريق، أربطه بما يُنشر من مقالات، أو بما يتحقق من حضور إعلامي، ثم أدركت أن النجاح الحقيقي هو أن يثق الناس في صدقك قبل أن يعجبوا بأسلوبك، وأن يطمئنوا إلى نزاهتك قبل أن يصفقوا لكلماتك.
فالثقة هي رأس مال الكاتب، وإذا فقدها، فلن تعوضها براعة اللغة، ولا كثرة الظهور. وحين أتأمل الوجوه التي صنعت شيئًا من وعيي، أجد أن بعضها لم يمنحني نصيحة مباشرة، ولم يجلس معي طويلًا، لكنه منحني ما هو أبقى من النصيحة؛ منحني المثال الحي.
والمثال الصادق يختصر سنوات من الكلام؛ لأن الإنسان يتعلم من رؤية القيم وهي تُمارس أكثر مما يتعلم من سماعها وهي تُشرح.
ولهذا بقى العمير، في ذاكرتي، واحدًا من تلك الأسماء التي لم تكن تعلم أنها تزرع في الآخرين شيئًا من الإيمان بشرف الكلمة، وسمو الرسالة، وكرامة المهنة.
وقد يكون هذا هو أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحلة طويلة؛ أن يصبح حضوره في ذاكرة الآخرين باعثًا على الاستقامة، ودافعًا إلى أن يكونوا أكثر صدقًا مع أنفسهم، وأكثر وفاءً لما يحملونه من رسالة.
ومع امتداد الطريق، أدركت أن الإعلام لا يُقاس بعدد الصفحات التي تُملأ، ولا بعدد العناوين التي تتصدر المشهد، وإنما بما يتركه في وعي الناس من أثر.
فقد يستطيع الخبر أن يشغل الناس ساعة، لكن الفكرة الصادقة قد ترافقهم أعوامًا، وربما غيّرت طريقة نظرهم إلى الحياة. ومن هنا فهمت أن الرسالة الإعلامية ليست سباقًا مع الزمن بقدر ما هي مسؤولية أمام الضمير.
ولقد كان من أكثر ما استوقفني في تجربة العمير أنه لم يجعل من القلم وسيلة للخصومة، ولا من المنبر طريقًا إلى تصفية الحسابات، بل ظل ينظر إلى الصحافة بوصفها جسرًا يصل بين الإنسان وأخيه الإنسان.
وكان يؤمن، في تقديري، بأن الإعلام إذا فقد حكمته تحول إلى ضجيج، وإذا فقد إنسانيته أصبح مجرد كلمات تتطاير في الهواء، لا تستقر في عقل، ولا تمس قلبًا.
وقد علمتني الأيام أن الكاتب لا يُختبر حين يكتب فيما يحب، وإنما يُختبر حين يكتب فيما يختلف فيه الناس. هناك تظهر العدالة، ويتبين الإنصاف، ويُعرف مقدار تحرره من الهوى.
أما أن توافق الناس جميعًا، فذلك أمر يسير، لكن أن تقول كلمة الحق بأدب، وتحفظ للناس كرامتهم وأنت تختلف معهم، فذلك هو الامتحان الذي لا ينجح فيه إلا أصحاب النفوس الكبيرة.
وكثيرًا ما كنت أتأمل حال الإعلام في زمن تتسابق فيه المنصات إلى السبق، وتتنافس فيه الأقلام على سرعة النشر، حتى كادت العجلة تطغى على التثبت، وأصبح بعض الناس يفضل أن يكون أول من ينشر على أن يكون أول من يتحرى الحقيقة.
وهنا تزداد قيمة الإعلامي الذي يؤمن بأن التأني فضيلة، وأن الخبر إذا فقد صدقه فقد قيمته، مهما حصد من انتشار.
ولم يكن أكثر ما أثر في نفسي نجاح العمير المهني، وإنما اتساقه مع ذاته. فكم من إنسان يكتب عن المبادئ، فإذا جاءت ساعة الامتحان تخلى عنها، وكم من آخر لا يكثر الحديث عن القيم، لكنه يعيشها في كل موقف.
والناس، مهما أعجبتهم البلاغة، فإنهم لا يمنحون ثقتهم إلا لمن وافق فعله قوله، وكانت سيرته ترجمة لما يكتب.
ومن هنا ازددت يقينًا بأن الإعلامي الحقيقي لا يكتفي بصناعة الخبر، بل يسهم في صناعة الوعي. فهو يفتح للناس نافذة يرون منها واقعهم بإنصاف، ويعينهم على فهم قضاياهم بعيدًا عن الإثارة الرخيصة والأحكام المتعجلة.
وما أحوج مجتمعاتنا إلى هذا اللون من الإعلام؛ إعلام يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، ويضيء العقول قبل أن يملأ الشاشات والصفحات.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذه التجربة أن بعض الأشخاص يربّوننا من حيث لا يشعرون. لا يجلسون معنا ليقدموا دروسًا، ولا يطلبون منا أن نقتدي بهم، لكنهم يعيشون مبادئهم بصدق، فنقتبس منهم شيئًا من ثباتهم، وشيئًا من أخلاقهم، وشيئًا من احترامهم لرسالتهم.
وهؤلاء هم الذين قصدتهم حين اخترت لهذا الباب عنوان «أسماء لا تعرف أنها صنعتني» في كتابي الرابع المرتقب صدوره «يوميات خارج المألوف»؛ لأن أثرهم سبق كلماتهم، ورسالتهم بلغتني قبل أن يلتفتوا إليها.
ولذلك، كلما عدت بذاكرتي إلى البدايات، وجدت أن بعض المحطات لم تكن محطات عمل فحسب، بل كانت محطات بناء. وأن بعض الرجال لم يكونوا مجرد زملاء في المهنة، بل كانوا علامات على الطريق، تشير إلى الاتجاه الصحيح كلما تشعبت المسالك.
وكان سليمان العمير واحدًا من تلك العلامات التي بقيت تذكرني بأن الكلمة إذا خرجت من قلب صادق بلغت القلوب، وأن الرسالة إذا حملها صاحبها بإخلاص، بقي أثرها بعد أن يطوي الزمن أسماء كثيرة لم تترك وراءها إلا الصدى.
فكلما امتدت بي رحلة العمر، ازددت يقينًا بأن الإنسان لا يصنعه ما قرأه وحده، بل تصنعه كذلك الوجوه التي مرّت به، والكلمات التي استقرت في أعماقه، والمواقف التي غيّرت نظرته إلى الحياة.
فكم من كتاب أغلقناه بعد فراغنا من قراءته، وكم من إنسان بقي أثره فينا، وكأن أيامه ما زالت تمشي معنا، تذكرنا بما ينبغي أن نكون عليه.
ومن هنا أدركت أن أجمل ما يتركه المرء في هذه الدنيا ليس عدد المقالات التي كتبها، ولا المناصب التي تقلدها، ولا الصور التي ازدانت بها الصحف، وإنما الضمير الذي يوقظه في الآخرين، والثقة التي يزرعها في نفوسهم، والإيمان الذي يغرسه فيهم بأن الكلمة ما زالت قادرة على أن تكون بابًا للعدل، وجسرًا للرحمة، وطريقًا للإصلاح.
ولعل هذا هو السر الذي يجعل بعض الأسماء تكبر مع مرور الزمن، بينما تتضاءل أسماء أخرى كانت تملأ المشهد ضجيجًا.
فالضجيج يملك قدرة على جذب الانتباه، لكنه لا يملك قدرة على البقاء. أما الصدق، فإنه قد يسير بخطوات هادئة، لكنه يصل إلى القلوب، ويقيم فيها طويلًا؛ لأن النفوس مفطورة على محبة كل ما كان نقيًا وصادقًا.
وحين أستعيد تجربتي مع العمير، لا أستحضر صحفيًا ناجحًا فحسب، بل أستحضر إنسانًا رسّخ في داخلي معنى أن تكون المهنة رسالة، وأن يكون القلم عهدًا، وأن يكون الإعلام خدمة للناس قبل أن يكون صناعة للخبر.
وقد لا يكون قد قصد أن يعلمني شيئًا، لكنه علمني الكثير؛ لأن القدوة الصادقة تُعلّم بصمتها أكثر مما تُعلّم الكلمات ببلاغتها.
لقد أيقنت أن الصحافة، في جوهرها، ليست مطاردة للعناوين، ولا سباقًا إلى الظهور، وإنما مسؤولية أخلاقية يحملها من أدرك أن لكل كلمة أثرًا، وأن كل حرف قد يكون سببًا في إنصاف مظلوم، أو مواساة مكلوم، أو فتح باب خير، أو إغلاق باب فتنة.
فإذا استحضر الكاتب هذه الحقيقة، أصبح قلمه عهدًا يؤديه بإخلاص، لا وظيفة يؤديها على عجل. ولذلك، فإن إدراج اسم سليمان العمير في كتابي ليس ثناء على شخصه فحسب، بل هو وفاء لتجربة إنسانية كان لها نصيب في تشكيل شيء من وعيي المهني، وترسيخ يقيني بأن النزاهة ليست شعارًا يُكتب في مقدمة المقالات، بل خُلُق يلازم صاحبه في حضوره وغيابه، وفي رضاه وغضبه، وفي نجاحه وتعثره.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم، ونحن نعيش زمنًا تتزاحم فيه الأصوات، أن نعيد الاعتبار لأصحاب الرسالات الهادئة؛ أولئك الذين لم يبحثوا عن الأضواء، فصارت الأضواء تبحث عنهم، ولم يطاردوا الشهرة، فخلّدهم أثرهم.
فالأمم لا تُبنى بالضجيج، وإنما تُبنى برجال يعرفون قيمة الكلمة، ويصونون شرفها، ويحملونها كما يحمل الأمناء الودائع الثمينة.
وهكذا أطوي هذه الصفحة، وأنا أكثر إيمانًا بأن بعض الناس لا يدركون أنهم يغيّرون حياة الآخرين. يمضون في طريقهم ببساطة، ويؤدون أعمالهم بإخلاص، ويظنون أنهم لم يفعلوا سوى ما يمليه عليهم ضميرهم، بينما يكونون، في الحقيقة، قد غرسوا في نفوس غيرهم بذورًا لا تزال تنبت مع الأيام.
ومحبتنا لكل صاحب رسالة عاش وفيًا لمبادئه، وجعل من أخلاقه عنوانًا لسيرته، ومن عمله شاهدًا على صدقه.
ولذلك يظل الأخ سليمان العمير واحدًا من تلك الأسماء التي لا تعرف أنها صنعت في الآخرين أكثر مما تعلم، وتركت في الذاكرة أثرًا لا يبهت، وفي القلب امتنانًا لا تنقضي أيامه.
فالأثر الصالح هو العمر الثاني للإنسان، والذكر الحسن هو الصفحة التي لا يطويها الزمن؛ لأن الذي يكتبها في النهاية ليس الحبر، بل القلوب الصادقة!
ملاحظة:
هذه الشذرات مقتطفات من كتابي «يوميات خارج المألوف»، الذي يستعد للصدور قريبًا.