حوار – حسين السنونه
تؤكد الناقدة والباحثة المسرحية البحرينية د. زهراء المنصور لصحيفة "النهار" إن أحد التحديات أمام المهرجانات العربية هو ألا تكتفي بصناعة الحدث المسرحي، بل أن تفكر أيضًا في توسيع دائرة من يصل إليه هذا الحدث، وعليه أتمنى أن يكون المهرجان محطة داخل حركة مسرحية عربية مستمرة، لا جزيرة منفصلة عنها؛ وأن يكون منتجًا للعرض والمعرفة والذاكرة والحوار في الوقت نفسه.
من خلال مشاركاتكم في مهرجانات الهيئة العربية للمسرح، ما الذي أضافته هذه التجارب إلى مسيرتكم النقدية؟
أعتقد أن المشاركة في مهرجانات الهيئة العربية للمسرح لا تُقاس عندي بعدد العروض التي أشاهدها بقدر ما تُقاس بما تفتحه من أسئلة جديدة. فالناقد مهما اتسعت قراءاته ومتابعاته، يحتاج دائمًا إلى أن يضع أدواته النقدية في مواجهة تجارب مختلفة؛ لأن النقد الذي لا يتجدد مع المسرح نفسه يتحول مع الوقت إلى مجموعة من الأحكام الجاهزة. وما يميز مهرجان الهيئة تحديدًا أنه يضعك خلال فترة زمنية قصيرة أمام خريطة واسعة للمسرح العربي؛ أمام اختلاف البيئات والمرجعيات وأساليب الإخراج والكتابة والأداء، وأمام أجيال مختلفة أيضًا. وحين تشاهد عرضًا خليجيا إلى جوار عرض مغربي أو تونسي أو عراقي أو مصري، تبدأ في ملاحظة ما هو محلي وخاص داخل كل تجربة، وما هو مشترك عربيًا، وما الذي جاء نتيجة الحوار مع الاتجاهات المسرحية العالمية.
كما أن الحوارات التي تحدث حول العروض لا تقل أهمية أحيانًا عن العروض نفسها، قد ينتهي العرض بإسدال الستار، لكن يبدأ عرضه الآخر في النقاش؛ حين تسمع كيف قرأه ناقد من بيئة مختلفة، أو كيف يشرح المخرج اختياراته. وهذا يذكر الناقد بأن قراءته ليست الحقيقة الوحيدة للعمل، وإنما زاوية من زوايا متعددة ممكنة.
وكانت مشاركتي في الندوة التطبيقية في دورة 2024 تجربة مختلفة بالنسبة إليّ؛ لأنها جاءت في صورة ستوديو تحليلي يجمع ناقدين أمام الكاميرا بعد أن قدم كل منهما ورقته النقدية. وقد اختبرت فيها الانتقال من النقد المكتوب إلى الحوار النقدي المباشر، حيث يمكن للفكرة أن تتغير أو تتعمق وهي تُناقش، وأتفق جدا مع رزانة هذه الفكرة ومنح العمل حقه في القراءة والنقاش، لا أحب النقد الذي يدخل إلى العرض وفي يده إجابة جاهزة. أفضل أن أدخل العرض بسؤال وأن أخرج منه بأسئلة أكثر. ولهذا أتعامل مع المهرجان بوصفه مختبرًا نقديًا مفتوحًا؛ أختبر فيه أفكاري وأدواتي، وأكتشف من خلاله ما الذي تغير في المسرح، وربما الأهم: ما الذي ينبغي أن يتغير في الناقد نفسه حتى يظل قادرًا على قراءته.
يشهد المسرح العربي اليوم تحولات جمالية وتقنية متسارعة؛ برأيكم، كيف يمكن المحافظة على هوية المسرح العربي مع الانفتاح على التجارب العالمية؟
لا أعتقد أن المحافظة على هوية المسرح العربي تعني حمايته من التأثيرات الخارجية، أو إبقاءه داخل قوالب جمالية ثابتة، المسرح في جوهره فن عابر للحدود وتاريخه قائم على التأثر والتبادل، لذلك فالسؤال بالنسبة إليّ ليس: كيف نحمي المسرح العربي من العالم؟ وإنما: كيف ننفتح على العالم من دون أن نفقد قدرتنا على إنتاج رؤيتنا الخاصة؟ فالهوية المسرحية ليست شكلًا جاهزًا، وليست في استخدام مفردة تراثية أو زي شعبي أو استدعاء الحكواتي والسامر. هذه مصادر مهمة، لكن تحويلها إلى وصفة قد يجعل التراث عنصرًا زخرفيًا. الهوية، كما أفهمها، موجودة في الأسئلة التي يطرحها المسرح، وفي ذاكرته الثقافية والاجتماعية، وفي علاقته بالإنسان الذي يخاطبه، ولذلك يمكن لعرض شديد الحداثة في لغته البصرية أن يكون أكثر اتصالًا ببيئته من عرض يستخدم عشرات العلامات التراثية ولا يلامس سؤالًا حقيقيًا من أسئلة الحاضر.
نحن اليوم أمام انفتاح غير مسبوق على الاتجاهات العالمية، من الوسائط المتعددة إلى المسرح الرقمي وتقنيات الصورة والذكاء الاصطناعي. وهذا إيجابي، لكن السؤال النقدي هو: هل نستخدم هذه الأدوات لأن مشروع العرض يحتاج إليها، أم لأننا نريد أن نبدو معاصرين؟ الخطر ليس في الاقتباس، وإنما في التبعية الجمالية؛ حين نستورد الشكل قبل أن نعرف لماذا نحتاج إليه. وهناك فارق بين أن نستخدم التجربة العالمية وأن تستخدمنا هي.
وأعتقد أن العالمية كثيرًا ما تتحقق من خلال شدة الخصوصية. فالتجربة المحلية تستطيع الوصول إلى الإنسان في أي مكان حين تكشف شيئًا عن الخوف أو الحب أو الفقد أو السلطة أو الحرية أو العدالة. لذلك ربما علينا أن ننتقل من سؤال «كيف نحافظ على الهوية؟» إلى سؤال أكثر حيوية: كيف نجعل الهوية قادرة على إنتاج الجديد؟ فالمسرح العربي لا يحتاج إلى أن يقدم للعالم نسخة عربية من مسرح يعرفه بالفعل؛ ما يمكن أن نضيفه هو التجربة التي لا يستطيع أن يصنعها سوانا، ثم نصوغها بلغة فنية يستطيع العالم أن يتفاعل معها.
ما أبرز التحديات التي تواجه المسرحي العربي اليوم: الإنتاج، أم الجمهور، أم حرية التجريب، أم غياب البنية المؤسسية الداعمة؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
من الصعب اختيار تحدٍ واحد؛ لأن هذه الملفات حلقات متصلة. لكن إذا كان عليّ تحديد الحلقة الأكثر تأثيرًا، فسأضع غياب البنية المؤسسية المستدامة في المقدمة. لدينا طاقات مسرحية كبيرة ومهرجانات عديدة، لكن السؤال الذي يشغلني هو: ماذا يحدث للمسرح بين مهرجان وآخر؟ المسرح لا يستطيع أن يعيش بالمواسم وحدها، والمهرجان، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن حياة مسرحية يومية، كما أن زيادة الميزانيات وحدها لا تحل المشكلة؛ ما نحتاج إليه هو سياسة إنتاج تعرف لماذا تنتج المسرح، ولمن، وكيف تضمن استمراره. أما الجمهور، فلا أميل إلى تحميله مسؤولية ابتعاده عن المسرح. كثيرًا ما نقول إن الجمهور لم يعد يذهب إلى المسرح، لكن ماذا فعل المسرح ليبقى جزءًا من حياة هذا الجمهور؟ الجمهور يُبنى عبر سنوات؛ من المدرسة والجامعة ومسرح الطفل، ومن وجود عروض مستمرة ومتنوعة. وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول الرغبة في استعادته إلى ذريعة لتبسيط المسرح. من حق العرض أن يربك المتلقي ويستفزه، لكن هناك فرقًا بين أن أتحدى الجمهور وأن أنفصل عنه.
كذلك لا يتطور المسرح من دون حرية للتجريب، بما فيها حق الفنان في أن يفشل، لحركة المسرحية الحقيقية تحتاج إلى محاولات لم تكتمل، لأن مطالبة الفنان دائمًا بمنتج مضمون النجاح تقتل المجازفة، ومن دون المجازفة لا تتشكل لغة جديدة، هناك أيضًا مشكلة الاحتراف. لا يمكن أن نطالب الفنان بمشروع متطور بينما يعمل في المسرح بعد انتهاء ساعات وظيفته التي تضمن له دخله. لهذا أرى أن الحل يبدأ بالانتقال من إدارة الفعاليات إلى بناء مشروع مسرحي: مسارح وتجهيزات، تدريب، نشر وترجمة، أرشيف، نقد متخصص، حركة مستمرة للعروض وبرامج تعاون عربية، المسرحي العربي لا تنقصه الموهبة؛ ما ينقصنا في كثير من الأحيان هو البيئة التي تسمح للموهبة بأن تتحول إلى مشروع، وللعرض إلى حركة، وللمشاهد العابر إلى جمهور.
من خلال متابعتكم لمهرجانات الهيئة العربية للمسرح، ما الذي تأملونه من هذه المهرجانات مستقبلًا؟ وهل ما زال المسرح قادرًا على التأثير في الوعي العام في ظل التحولات الراهنة؟
أعتقد أن مهرجانات الهيئة العربية للمسرح حققت خلال السنوات الماضية مساحة مهمة للقاء التجارب المسرحية العربية، ليس على مستوى العروض وحدها، وإنما من خلال الندوات والورش واللقاءات التي تجعل المهرجان مساحة لتبادل المعرفة والخبرة. وما أتمناه في المرحلة المقبلة هو أن يتسع هذا الدور أكثر، بحيث لا ينتهي أثر المهرجان بانتهاء أيامه.
يمكن، مثلًا، أن تتحول بعض الندوات والورش إلى مشاريع ممتدة: برامج بحثية وتوثيقية، إقامات للفنانين والباحثين، مختبرات لتطوير المشاريع، وشبكات تسمح للعروض المهمة بالتنقل عربيًا بدل أن تقدم في مهرجان واحد ثم تنتهي رحلتها. لدينا في المسرح العربي كثير من الجهد الذي يبدأ من الصفر في كل مرة، بينما يمكن للمؤسسة أن تساعد في تحويل الخبرات المتفرقة إلى تراكم، وأرى كذلك أن المهرجانات تستطيع أن تؤدي دورًا أكبر في صناعة الذاكرة المسرحية العربية. العرض المسرحي فن زائل؛ ينتهي وجوده المباشر بانتهاء العرض، وما يبقى منه هو ما نوثقه ونكتبه ونحلله. لذلك فإن حفظ المواد البصرية والبرامج والنصوص والدراسات والندوات وإتاحتها للباحثين ليس عملًا أرشيفيًا ثانويًا، وإنما جزء من صناعة تاريخ المسرح نفسه. أما قدرة المسرح على التأثير، فما زلت أؤمن بها، لكنني لا أحمّله مهمة تغيير المجتمع مباشرة. المسرح ليس بيانًا سياسيًا ولا درسًا أخلاقيًا. قوته أكثر هدوءًا وتعقيدًا؛ قد لا يغير قناعة المتفرج فورًا، لكنه يستطيع أن يزعزع يقينه، وأن يجعله يرى ما يعرفه من زاوية أخرى.
وفي زمن الأحكام السريعة وتدفق الصور، يجبرنا المسرح على البقاء أمام إنسان آخر، والاستماع إليه ورؤية تعقيده وتناقضاته. وهذه في ذاتها ممارسة مهمة للوعي، لكن يبقى السؤال: إلى من يصل المسرح؟ إذا ظل جمهوره محصورًا في المسرحيين والنقاد وضيوف المهرجانات، فسيظل تأثيره محدودًا مهما ارتفعت قيمة ما يقدمه. لذلك فإن أحد التحديات أمام المهرجانات العربية هو ألا تكتفي بصناعة الحدث المسرحي، بل أن تفكر أيضًا في توسيع دائرة من يصل إليه هذا الحدث، وعليه أتمنى أن يكون المهرجان محطة داخل حركة مسرحية عربية مستمرة، لا جزيرة منفصلة عنها؛ وأن يكون منتجًا للعرض والمعرفة والذاكرة والحوار في الوقت نفسه.
حدثينا عن المسرح البحريني: أين كان وأين هو الآن؟ وماذا يحتاج ليكون حاضرًا بقوة في المحافل الدولية؟
المسرح البحريني ليس تجربة حديثة؛ نحن نتحدث عن حركة تمتلك تاريخًا طويلًا قياسًا بمحيطها الخليجي، بدأ من المسرح المدرسي والأندية والفرق الأهلية، ثم تطور مع أجيال من الكتاب والمخرجين والممثلين والفنيين والنقاد.وقد مر بفترات كان فيها شديد الحيوية، ليس بعدد العروض فقط، وإنما بوجود حالة مسرحية: فرق وجمهور وتنافس ونقاش نقدي وصحافي، وفنانون ينظرون إلى الفرقة باعتبارها بيتًا ومشروعًا طويل الأمد، اليوم لا أعتقد أن المشكلة في غياب المواهب أو الأفكار، لدينا أجيال أكثر معرفة بما يحدث عالميًا وأكثر قدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة، لكن حجم الحركة الراهنة لا يعكس حجم الرصيد التاريخي للبحرين.
أحد التحولات التي أراها هو الانتقال من فكرة الموسم المسرحي إلى المناسبة المسرحية. يظهر النشاط عند مهرجان أو فعالية ثم يهدأ، بينما يحتاج المسرح إلى الاستمرارية. كما أن الفرق الأهلية، التي شكلت تاريخيًا العمود الفقري للحركة، تحتاج إلى مراجعة نموذج عملها؛ لأن المجتمع وإيقاع الحياة وعلاقة الأجيال الجديدة بالعمل التطوعي تغيرت. أما الحضور الدولي، فلا يبدأ في رأيي من الرغبة في المشاركة في مهرجان دولي المشاركة نتيجة وليست مشروعًا لكي يكون المسرح البحريني قويًا في الخارج، ينبغي أولًا أن يكون قويًا في الداخل، وأن توجد كثافة إنتاجية تسمح للتجارب بالنضج والاختبار.
ونحتاج كذلك إلى تطوير الفنان نفسه من خلال الورش والإقامات والتعاون العربي والدولي، وإلى توثيق التجربة البحرينية وترجمة نصوصها ودراساتها وبناء أرشيف رقمي حقيقي، لدينا فجوة بين ما أنجزه المسرح البحريني وما يعرفه الآخرون عنه، بل وما تعرفه بعض الأجيال الجديدة عنه.
لا أطالب الجيل الجديد بأن يصنع المسرح بالطريقة التي صنعه بها الرواد. عليه أن يعرف هذه التجربة جيدًا ثم يذهب إلى مكان آخر، احترام التاريخ لا يعني تكراره. لدينا التاريخ والموهبة والمعرفة ما نحتاج إليه هو تحويل هذه العناصر إلى مشروع مستمر يجعل حضور المسرح البحريني بحجم رصيده.
برأيكم، ما العوامل التي تعيق تطور المسرح البحريني، وكيف يمكن تجاوزها؟
لعائق -في تقديري- ليس نقص العناصر بقدر ما هو عدم انتظامها داخل منظومة مسرحية متكاملة. لدينا فنانون، وفرق ذات تاريخ، ولدينا هيئة البحرين للثقافة والآثار بما تمثله من مظلة رسمية للعمل الثقافي ودعم الفرق والجمعيات الأهلية، ولدينا مهرجانات ومشاركات وجمهور يمكن الوصول إليه. لكن وجود هذه العناصر منفردة لا يعني بالضرورة وجود حركة مسرحية فاعلة؛ فالتحدي الحقيقي هو في كيفية وصل هذه العناصر ضمن مشروع مستمر وواضح الأهداف، أول العوائق هو موسمية الإنتاج الخبرة المسرحية لا تتطور بالنوايا وإنما بالممارسة المتواصلة، ولذلك نحتاج إلى استعادة مفهوم الموسم المسرحي بوصفه دورة متكاملة: إنتاج/ عرض/جمهور/ نقد/تدريب، ثم إنتاج جديد يستفيد مما سبقه، التمويل مهم، لكن الأهم هو كيفية استثماره. قد نمول عرضًا جيدًا وينتهي أثر التمويل بانتهاء لياليه، بينما الاستثمار الحقيقي يترك وراءه فنانًا أكثر خبرة أو فضاء أفضل أو جمهورًا جديدًا أو مشروعًا قابلًا للاستمرار.
كذلك نحتاج إلى بنية تحتية لا تقتصر على خشبة العرض: صالات تدريب وبروفات، وورش فنية ومساحات صغيرة للتجريب. وتحتاج الفرق الأهلية إلى أن تتحول من مقر وذاكرة إدارية إلى مختبر فني منتج، مع انتقال حقيقي للخبرة بين الأجيال، ومن المسائل التي تستحق المصارحة أيضًا التجدد القيادي والفني، الخبرة الحقيقية ليست التي تحتفظ بالمساحة لنفسها، بل التي تفتح الطريق لمن يأتي بعدها. كما لا يكفي انتظار الشباب حتى يطرقوا باب الفرقة؛ علينا الذهاب إليهم في المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمنصات الجديدة.
والجمهور تحدٍ أساسي، لكن العلاقة متبادلة: هل ابتعد الجمهور عن المسرح، أم ابتعد المسرح عن تفاصيل حياة الجمهور؟ المتلقي اليوم أمام خيارات هائلة، وعلينا أن نقدم له سببًا حقيقيًا لمغادرة بيته والجلوس أمام الخشبة. كما أرى ضرورة "قصوى" لاستعادة الحلقة النقدية المصاحبة للإنتاج. حين يوجد عرض ولا يوجد حوار جاد حوله، نخسر فرصة للتراكم، ولو أردت اختصار المشكلة كلها في كلمة واحدة فسأقول: الاستمرارية. لدينا قطع كثيرة من الصورة؛ ما نحتاج إليه هو وضعها داخل إطار واحد.
بعد سنوات طويلة من الكتابة النقدية والبحثية التي توزعت بين الصحافة والدراسات والمشاركات الأكاديمية، يبدو أنك تتجهين اليوم إلى جمع هذه الخبرة في مشاريع كتابية أكثر استقرارًا. ما الذي تعملين عليه حاليًا؟ وهل يمكن القول إنك دخلت مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من الكتابة المتفرقة إلى مشروع النشر؟
أعتقد أنني وصلت فعلًا إلى مرحلة أشعر فيها بأن وقت النشر قد حان، طوال سنوات طويلة كنت أكتب باستمرار، لكن كتابتي كانت موزعة بين المقالات النقدية والدراسات والأوراق البحثية والمشاركات في الندوات والمؤتمرات، إضافة إلى العمل الأكاديمي نفسه. لم أكن بعيدة عن الكتابة في أي مرحلة، لكنني ربما كنت أؤجل فكرة الكتاب لصالح النص الذي تفرضه اللحظة: عرض مسرحي يستحق القراءة، قضية تشغلني، ورقة لمؤتمر، أو بحث أكاديمي، اليوم تغيرت علاقتي بهذه المواد لم أعد أراها نصوصًا منفصلة فقط، وإنما بدأت أرى بينها خيوطًا ومشاريع يمكن أن تتشكل في كتب. وربما لهذا أعمل حاليًا على أكثر من مسار في الوقت نفسه.
أحد أهم هذه المشاريع هو إعادة الاشتغال على أطروحتي للدكتوراه حول حضور الأسود في المسرح الخليجي وتحويلها من صيغة أكاديمية إلى كتاب. وهذا بالنسبة لي ليس مجرد حذف للفصول النظرية أو تبسيط اللغة؛ بل إعادة كتابة حقيقية تجعل البحث قادرًا على مخاطبة قارئ يتجاوز الدائرة الجامعية، من دون أن يفقد صرامته النقدية، ولمشروع الدكتوراه حكاية بدأت قبل أن أعرف أصلًا أنها ستقودني يومًا إلى أطروحة كاملة. أستطيع أن أعود بإحدى شراراتها الأولى إلى عام 2010، حين شاهدت في قطر عرض "مجاريح" للكاتب إسماعيل عبدالله والمخرج ناصر عبدالرضا، ما استوقفني يومها كان ذلك التعامل الصريح مع اللون على الخشبة؛ لم يكن اللون تفصيلًا عابرًا في هيئة الشخصية، بل كان حاضرًا في بنائها وفي موقعها داخل المجتمع وفي نظرة الآخر إليها. خرجت من العرض وفي ذهني سؤال أكثر من كونه فكرة بحثية مكتملة، لكنه ظل معي واتسع مع ما شاهدته وقرأته لاحقًا، إلى أن أصبح واحدًا من الأسئلة التي قادتني إلى مشروع "حضور السود في المسرح الخليجي"، وربما لهذا أحتفظ لـمجاريح بموقع خاص في ذاكرتي النقدية؛ ليس فقط بوصفه عرضًا شاهدته قبل سنوات، وإنما لأنه من تلك الأعمال التي تنتهي على الخشبة ولا ينتهي أثرها بانتهاء العرض. وأحسب أن هذه إحدى القيم الحقيقية لتجربة إسماعيل عبدالله: قدرتها على إثارة أسئلة تتجاوز لحظة التلقي، وقد قادني أحد تلك الأسئلة، بعد سنوات، إلى مشروع بحثي كامل.
وأعمل كذلك على كتاب عن الصديق العزيز والفنان والمسرحي البحريني خليفة العريفي، وما يغريني في هذا المشروع أنه لا يقوم على تقديم سيرة احتفائية لشخصية مسرحية، بقدر ما يحاول قراءة تجربة فرد بوصفها مدخلًا إلى مرحلة من تاريخ المسرح والثقافة في البحرين. لذلك أشتغل فيه على السيرة والعروض والوثائق والكتابة والعمل المؤسسي، وأحاول قدر الإمكان أن أجعل الذاكرة الشخصية تتحاور مع الوثيقة والقراءة النقدية.
وإلى جانب هذين المشروعين، أعمل على مشروعين كتابيين آخرين أفضل أن أترك تفاصيلهما لوقتهم، كلاهما ينطلق من مادة تراكمت لدي على مدى سنوات، لكنني أتعامل معها اليوم باعتبارها مادة تحتاج إلى إعادة بناء وتحرير، لا مجرد جمع نصوص متفرقة بين غلافين وهذه نقطة مهمة بالنسبة لي؛ لأنني لا أريد أن أنشر كتابًا فقط لكي أضيف عنوانًا إلى سيرتي، بل أريد أن تكون لكل مجموعة من هذه الكتابات فكرتها الخاصة، وبنيتها، وسبب يجعل عودتها إلى القارئ اليوم مبررة. ربما تأخرت في النشر بالمعنى التقليدي، لكنني لا أشعر أن السنوات الماضية كانت سنوات انتظار. كانت سنوات كتابة وتكوين وتراكم، وبعض النصوص احتاجت أصلًا إلى هذه المسافة لكي أستطيع النظر إليها من جديد بوعي مختلف.
لذلك أستطيع القول إنني الآن في مرحلة تحويل هذا التراكم إلى مشروع نشر؛ أعود إلى ما كتبت، أختار وأحذف وأعيد الكتابة، وأكتشف أحيانًا علاقات بين نصوص كتبت في أزمنة متباعدة ولم أكن أراها حينها، وأظن أن هذا هو الفرق بالنسبة لي بين أن يكون لدى الإنسان كتابات كثيرة، وأن يكون لديه مشروع كتاب؛ الأول يتراكم مع الزمن، أما الثاني فيحتاج إلى لحظة يقرر فيها الكاتب ماذا يريد أن يبقى من كل ما كتب، ماذا أريد أن يبقى من كل ما كتبت؟ وأشعر أن هذه اللحظة جاءت الآن.
في ظل ما راكمه المسرح الخليجي خلال العقود الماضية من تجارب ومهرجانات ومؤسسات، أين ترين أن التحدي الحقيقي اليوم؟ وهل ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الحضور، أم إلى التفكير في كيفية تحويل هذا التراكم إلى أثر أكثر استدامة؟
وأعتقد أننا تجاوزنا منذ وقت طويل مرحلة إثبات وجود المسرح الخليجي؛ فلدينا تجارب وفنانون وكتاب ومخرجون ومهرجانات صنعت تراكمًا مهمًا. ما يشغلني اليوم هو السؤال التالي: ماذا نفعل بهذا التراكم؟ وكيف نحوله من منجزات متفرقة، مهما كانت قيمتها، إلى معرفة مؤسسية يمكن البناء عليها؟ من هنا أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التفكير في المسرح بوصفه مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، لا سلسلة من العروض والمهرجانات فحسب. نحتاج إلى التوثيق، وبناء قواعد المعلومات، وقراءة التحولات التي مرّت بها تجاربنا، واستثمار الخبرات المتراكمة، وربط التدريب بالإنتاج، وخلق مساحات للحوار بين الأجيال، بحيث لا تبدأ كل تجربة من نقطة الصفر ولا تنتهي بانتهاء المناسبة.
وهنا يحضر في ذهني دور اللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية بدول مجلس التعاون، برئاسة الفنان خالد الرويعي، بوصفها واحدة من المساحات التي يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في وصل التجارب الخليجية ببعضها، ومراكمة الخبرة المشتركة، وفتح المجال أمام مبادرات تتجاوز حدود الفعالية الواحدة. وأهمية مثل هذه الأطر، في تقديري، لا تكمن فقط فيما تنجزه من برامج ولقاءات، وإنما في قدرتها على قراءة المشهد الخليجي من منظور أوسع، ورصد احتياجاته، وتحويل ما راكمته الفرق والفنانون عبر العقود إلى مشاريع قابلة للاستمرار والتطوير.
وربما لهذا أصبحت، في هذه المرحلة من تجربتي، أكثر اهتمامًا بما يسبق العرض وما يبقى بعده، لا بالعرض وحده. بعد سنوات من النقد والبحث والاحتكاك بالمشهد المسرحي، صرت أجدني منشغلة أيضًا بأسئلة التخطيط والسياسات الثقافية وصناعة المشاريع: كيف نحفظ الذاكرة المسرحية؟ كيف نستثمر الخبرات بدل أن نفقدها؟ وكيف نصنع مشروعًا يترك أثرًا يتجاوز موسمه ولحظة التصفيق؟ بالنسبة إليّ، هذه الأسئلة ليست منفصلة عن النقد، بل هي امتداد طبيعي له؛ لأن الناقد لا يقرأ ما أنجزه المسرح فقط، وإنما يستطيع أيضًا أن يسهم في التفكير فيما يمكن أن يكون عليه.
ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية؟
من يتابع المشهد الثقافي السعودي خلال السنوات الأخيرة لا يستطيع تجاهل حجم التحول الذي حدث فيه؛ ليس فقط من حيث عدد الفعاليات أو الإمكانات، وإنما من حيث اتساع مفهوم الثقافة والفنون وظهور مساحات جديدة للمسرح والسينما والموسيقى والفنون البصرية والأدب وغيرها.وفي المسرح تحديدًا أصبحنا نرى حضورًا أكبر للعروض والمهرجانات وبرامج التدريب، وانفتاحًا على الخبرات العربية والدولية. وهذا مهم؛ لأن المسرح لا يتطور في العزلة، كما أن توفر بنية تنظيمية وتمويلية قادرة على استضافة تجارب كبيرة يمنح المسرحي السعودي فرصًا لم تكن متاحة بالقدر نفسه سابقًا، لكنني أعتقد أن علينا التفريق بين سرعة نمو المشهد وسرعة نضج التجربة الفنية. الأولى يمكن دعمها بالتمويل والبنية والبرامج، أما الثانية فلا يمكن اختصار زمنها، الفن يحتاج إلى تراكم ومحاولات ونجاحات وإخفاقات، وإلى فنان يقدم تجربته الأولى ثم الثانية والعاشرة حتى يكتشف لغته الخاصة، لذلك لا يكفيني أن أسأل: كم مسرحًا افتتح أو كم مهرجانًا أُقيم؟ السؤال الأهم على المدى البعيد هو: ما الذي سينتجه هذا الحراك من تجربة مسرحية سعودية لها صوتها وخصوصيتها؟ والسعودية تمتلك مادة ثقافية شديدة الثراء؛ بلد واسع ومتعدد البيئات واللهجات والحكايات، ويعيش تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة. وهذا التنوع يمكن أن ينتج "مسارح سعودية" متعددة داخل المشهد الواحد، لا نموذجًا واحدا. كما أن بناء الجمهور، ونمو النقد والبحث والتوثيق بالسرعة نفسها التي ينمو بها الإنتاج، ستكون عناصر حاسمة، وهذه اللحظة السعودية تحديدًا تستحق أن توثق منذ الآن؛ لأنها بعد سنوات ستكون مادة أساسية لفهم كيف استجاب الفن لتحولات المجتمع.
أما مواكبة العالم، فأميز دائمًا بين المواكبة والملاحقة؛ المواكبة تعني أن أعرف ما يحدث في العالم وأدخل معه في حوار من موقع يمتلك صوته؛ أما الملاحقة فتعني أن أكرر ما أنجزه الآخر قبلي. وأظن أن التحدي الجميل أمام الجيل السعودي الجديد هو الانتقال من استقبال التجارب العالمية إلى إنتاج تجربة تستطيع هي نفسها أن تسافر إلى العالم، كما فعلتها عروض سعودية مميزة فازت وبرزت خارج المملكة برغم القيود السابقة، عندها لن نقيس تطور المسرح السعودي بعدد العروض العالمية التي تأتي إليه، بل بالتجارب السعودية التي يصبح العالم مهتمًا بمشاهدتها والتعرف إليها ودراستها، وربما تكون النقلة الأهم حين لا نعود نسأل:إلى أي مدى واكب المسرح السعودي المسرح العالمي؟ بل يصبح السؤال :ما الذي أضافه المسرح السعودي إلى المسرح العالمي؟