حوار – حسين السنونه- النهار
يؤكد المخرج والممثل المسرحي المغربي أمين ناسور لصحيفة "النهار" أن المسرح كان وسيظل ضمير المجتمع. رغم الطفرة الرقمية والوسائط التكنولوجية، لا شيء يعوض سحر اللقاء الحي بين الممثل والجمهور في نفس الزمان والمكان. المسرح قادر على التأثير في الوعي العام شريطة أن ينزل من برجه العاجي. إذا قارب المسرح هموم الإنسان البسيط ولامس وجدانه بلغة بصرية وجمالية يفهمها ويتفاعل معها، فلن يقتصر أبداً على النخبة. شخصياً، أؤمن بـ "المسرح النخبوي الموجه للجميع"؛ مسرح يملك عمقاً فكرياً وفلسفياً، ولكنه يقدم بذكاء وفرجة جاذبة تأسر المواطن العادي وتدفعه للتفكير وإعادة المساءلة.
ما الذي أضافته مشاركتكم في مهرجان الهيئة العربية للمسرح إلى تجربتكم الفنية، سواء على مستوى العرض أو الإخراج أو الحوار أو التمثيل مع تجارب مسرحية عربية مختلفة؟
المشاركة في مهرجان الهيئة العربية للمسرح هي دائماً محطة فارقة ومختبر حقيقي لتطوير الأدوات الإخراجية والفنية. بالنسبة لي، كـمخرج مسرحي، هذا المهرجان يمثل "سوق عكاظ" للمسرح العربي؛ حيث تلتقي الحساسيات الجمالية المختلفة من المشرق والمغرب. هذه اللقاءات تتيح لنا قياس نبض تجاربنا الإخراجية في مرآة الآخر العربي، وتفتح باب الحوار الخلاق حول تقنيات التمثيل، السينوغرافيا، وبناء النص. المهرجان يغني التجربة لأنه يخرجنا من الإطار المحلي إلى أفق عربي أرحب، يمتزج فيه النقاش النظري بالتطبيق العملي في العروض.
ما القضية أو الفكرة التي حرصتم على إيصالها من خلال العمل الذي قدمتموه في المهرجان سواء كممثل أو مخرج، وكيف كان تفاعل الجمهور معها؟
ينصب مشروعي الجمالي دائماً حول "سؤال الهوية والذاكرة والتراث والاشتغال على الفضاءات التاريخية"، ومحاولة تقديم مسرح يتأرجح بوعي بين النخبوية والشعبية. في أعمالي، أحرص على إيصال فكرة أساسية: أن المسرح هو الجسر الذي يربط ماضينا العريق براهننا المعاصر، لدرجة تحويل التاريخ إلى مادة حية تطرح أسئلة اليوم. تفاعل الجمهور العربي، وخاصة النخبة والشباب في المهرجان، كان رائعاً ومحفزاً؛ فالجمهور العربي ذكي ويهتز للعروض التي تملك صدقاً فكرياً وبحثاً جمالياً مجدداً، بعيداً عن الكليشيهات الجاهزة.
كيف ترى عمل الهيئة العربية للمسرح من خلال المهرجانات العربية للمسرح أو إصدار الكتب المسرحية والورش وغيرها؟
لا يمكن لأي منصف إلا أن يثمن الدور الريادي والاستراتيجي الذي تلعبه الهيئة العربية للمسرح، برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي. الهيئة لم تعد مجرد جهة تنظم مهرجاناً سنوياً، بل تحولت إلى مؤسسة فكرية تدعم البنية التحتية للمسرح العربي عبر مأسسة التوثيق، إصدار الكتب والدراسات الجادة التي تسد خصاصاً كبيراً في المكتبة المسرحية، بالإضافة إلى الورش التكوينية التي كان لي الشرف أن أكون مؤطر في محطتين مهمتين منها بجمهورية موريتانيا و دولة جيبوتي حيث تستهدف تكوين الشباب والجيل الجديد من السينوغرافيين والمخرجين والممثلين، وهو ما يضمن استمرارية وتجدد دماء المسرح العربي.
يشهد المسرح العربي اليوم تحولات جمالية وتقنية متسارعة؛ برأيكم، كيف يمكن المحافظة على هوية المسرح العربي مع الانفتاح على التجارب العالمية؟
الانفتاح على العالم ليس خياراً بل هو ضرورة حتمية، والتقنية اليوم أصبحت لغة العصر. لكن بالنسبة لي، المعادلة تكمن في "التأصيل والتحديث". المحافظة على الهوية لا تعني الانغلاق أو السقوط في الفلكلورية الجامدة، بل تعني الانطلاق من خصوصيتنا الثقافية، وتراثنا الغني، وحكاياتنا الشعبية، وصهرها داخل قوالب سينوغرافية وإخراجية حديثة مستفيدة من التكنولوجيا المعاصرة. الهوية هي "الروح"، والتقنيات العالمية هي "الأدوات". حين نمتلك الوعي الفكري، نستطيع استخدام أحدث التقنيات الغربية لخدمة قضية أو جمالية عربية محضة، تماماً كما نفعل في الاشتغال على مسرحة المواقع التاريخية وتوظيف الفرجات الشعبية بروح معاصرة.
ما أبرز التحديات التي تواجه المسرحي العربي اليوم: الإنتاج، أم الجمهور، أم حرية التجريب، أم غياب البنية المؤسسية الداعمة؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
التحديات متشابكة، لكنني أرى أن غياب البنية المؤسسية الداعمة والإنتاج المستدام هما العائقان الأكبر. التجريب يحتاج إلى إمكانيات مادية ومساحات زمنية وفضاءات مجهزة، والمسرحي العربي غالباً ما يجد نفسه مشتتاً بين الإبداع الفني والتدبير الإداري والمالي. لتجاوز هذه المعضلات، نحتاج إلى الانتقال من "منطق الهواية والدعم الظرفي المعزول" إلى "منطق الصناعة الثقافية والاستثمار"، من خلال خلق شراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوفير شبكات توزيع احترافية تضمن للعروض الاستمرارية والوصول إلى أوسع جمهور ممكن.
بعد هذه المشاركة، ما المشروع أو الحلم المسرحي الذي تسعون إلى تحقيقه، وما الذي تتمنون أن يقدمه مهرجان الهيئة العربية للمسرح مستقبلاً لدعم الفنانين العرب؟
حلمي المسرحي يتسع باستمرار، وهو يصب حالياً في تعميق رهان "مسرحة الذاكرة والتراث والتاريخ" عبر مشاريع كبرى تجمع بين مئات الفنانين لإحياء الإرث الإنساني والحضاري في فضاءات مفتوحة وتاريخية، (مثل مشروع "نوستالجيا"). أما بخصوص ما أتمناه من الهيئة العربية للمسرح مستقبلاً، فهو التفكير في خلق "صندوق عربي لدعم الإنتاج المسرحي المشترك"؛ نريد أن نرى عروضاً مسرحية يشترك فيها مخرج مغربي، ومؤلف سعودي، وممثلون من الشام ومصر، ليكون هناك تلاقح عملي ومباشر على الخشبة، بالإضافة إلى دعم جولات العروض المتميزة في عواصم العالم.
في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها العالم العربي، هل ما زال المسرح قادرًا على التأثير في الوعي العام، أم أصبح دوره يقتصر على النخب الثقافية؟ ولماذا؟
المسرح كان وسيظل ضمير المجتمع. رغم الطفرة الرقمية والوسائط التكنولوجية، لا شيء يعوض سحر اللقاء الحي بين الممثل والجمهور في نفس الزمان والمكان. المسرح قادر على التأثير في الوعي العام شريطة أن ينزل من برجه العاجي. إذا قارب المسرح هموم الإنسان البسيط ولامس وجدانه بلغة بصرية وجمالية يفهمها ويتفاعل معها، فلن يقتصر أبداً على النخبة. شخصياً، أومن بـ "المسرح النخبوي الموجه للجميع"؛ مسرح يملك عمقاً فكرياً وفلسفياً، ولكنه يقدم بذكاء وفرجة جاذبة تأسر المواطن العادي وتدفعه للتفكير وإعادة المساءلة.
حدثنا عن المسرح المغربي أين كان وأين هو الآن؟ وماهي العوامل التي جعلت منه قوياً وحاضراً بقوة في المحافل العربية والدولية؟
المسرح المغربي مرّ بمراحل غنية، من التأسيس والهواية ومسرح الهواة الذي كان مشتلاً للفكر والنضال، وصولاً إلى مرحلة الاحتراف والمأسسة الحالية. اليوم، المسرح المغربي يعيش طفرة حقيقية ويفرض نفسه بقوة في المحافل العربية والدولية ، العوامل وراء هذه القوة متعددة:
وجود معهد عالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ISADAC) الذي يغني الساحة سنوياً بخريجين أكاديميين في الإخراج، السينوغرافيا، والتمثيل.و الوساطة الثقافية.
التعدد الثقافي واللغوي في المغرب (عربي، أمازيغي، حساني، متوسطي، أفريقي) الذي يمنحنا غنى فرجوياً فريداً.
التراكم النقدي ومواكبة الأكاديميين للعروض، والجرأة في التجريب الجمالي والشكلي.
هل هناك عوامل تقف عائقاً أمام التطور المسرحي في المغرب أكثر وأكثر من وجهة نظرك؟
نعم، رغم المكتسبات، هناك عوائق تحد من طموحنا. أبرزها ضعف شبكة التوزيع والترويج التجارية للعروض؛ فالمسرحية المغربية بعد أن تنتج وتشارك في المهرجانات، تواجه صعوبة في الاستمرار في العرض لشهور متتالية لغياب ثقافة "المواسم المسرحية المستمرة". كما أننا بحاجة إلى ثورة في البنية التحتية من خلال قاعات مسرحية متطورة تكنولوجياً في كل مدن وجهات المملكة تليق بالتحولات الإخراجية الحديثة، فضلاً عن الحاجة الملحة لمراجعة القوانين المنظمة للدعم والإنتاج لتخدم الاحتراف.
ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية؟
المشهد الثقافي السعودي يعيش اليوم ما يشبه "الانفجار الإبداعي الإيجابي" والطفرة التاريخية. ما نتابعه من حراك في المملكة العربية السعودية تحت مظلة "رؤية 2030" وجهود وزارة الثقافة وهيئة المسرح والفنون الأدائية، يعكس وعياً سياسياً وثقافياً حقيقياً بأهمية الفن كقوة ناعمة ومحرك للتنمية. التطور سريع وجريء جداً، وهناك رغبة واضحة واشتغال ممنهج لمواكبة التطورات العالمية عبر استقطاب الخبرات، البعثات، وتأسيس المعاهد، وفتح الآفاق أمام طاقات الشباب والنساء في شتى المجالات الإبداعية.
رأيك في المشهد المسرحي من خلال مشاهدتك للمسرح السعودي؟
المسرح السعودي يمتلك طاقات بشرية ومواهب خلاقة ومحترمة، سواء على مستوى التمثيل أو الكتابة أو الإخراج. من خلال مشاهداتي ومتابعتي لبعض التجارب، أرى أن المسرح السعودي يمر بمرحلة انتقالية نوعية؛ فقد تخلص من النمطية القديمة، وبدأ الشباب المسرحي السعودي يطرق أبواب التجريب والسينوغرافيا الحديثة بجرأة كبيرة. ما يعجبني في هذا المشهد هو الحماس والشغف المتوقد لدى المسرحيين السعوديين، والقدرة على التقاط حكايات بيئتهم المحلية وتقديمها برؤى متجددة. المسرح السعودي واعد جداً، ومع استمرار التكوين الأكاديمي والممارسة المستمرة، سيكون له شأن ومكانة ريادية كبرى على الخارطة المسرحية الدولية والعربية وأظن أن من تابع تجربة الميكا شو ترحال وزرقاء اليمامة للكاتب والمتفرد صالح زمانان يدرك أن المسرح السعودي يدخل الى العالمية من أوسع أبوابها وبطريقة غير مسبوقة في العالم العربي.