النهار

٢٥ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ أغسطس-٢٠٢٦       2090

بقلم ـ د. نجوى الكحلوت
في الإنسان برمجةٌ أولى، سابقة على كل تهذيب، تدفعه بلا استئذان نحو ما يلذّ، وتُبعده بلا تفكير عمّا يؤلم. يركض خلف كل ما تشتهيه نفسه وكأنه غاية الوجود، ويفرّ من كل ما تكرهه وكأنه خصمٌ يجب إقصاؤه. وهو مسارٌ مريح في ظاهره، لكنه في حقيقته أسْرٌ متجدد؛ فكل شيء يركض خلفه يملك زمامه، وكل شيء يهرب منه يملك زمامه أيضًا. وهو، في الحالتين، مقودٌ لا قائد.
وهنا يظهر الفارق الدقيق الذي يصنع الإنسان الناجح: أن يعكس هذا المسار الفطري لا إنكارًا له، بل تحريرًا منه. أن يقاوم ما يحب حين يعلم أن الاستسلام له يستدرجه بعيدًا عن غايته، وأن يتحمّل ما يكره حين يدرك أن في احتماله ارتقاءً لا يُدركه من يهرب دائمًا إلى الراحة. ليس هذا تعذيبًا للنفس ولا زهدًا سلبيًا في الحياة، بل هو نوعٌ من الانتصار لا يشبه الانتصارات المعتادة؛ لأنه تهذيب للذات، وثمرته حريةٌ لا غنيمة.
يصوغ القرآن الكريم هذه المعادلة بدقة نادرة في سورة النازعات، حين يضع أمام الإنسان مصيرين متقابلين: "فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ" (37-41). والملاحظ أن الفعل هنا "نهى" لا "قتل" ولا "ألغى"؛ فالنفس لا تُباد ولا تُصادَر رغباتها، بل تُقاد وتُنهى حين تجمح. وفي هذا الفارق اللغوي وحده معنى كامل: النجاح ليس في إخماد الرغبة، بل في أن يبقى الإنسان من يمسك بزمامها لا أن تمسك هي بزمامه.
وهذا المعنى ذاته تكرّسه أحاديث نبوية تصف الجنة بأنها محفوفة بما تكرهه النفوس، والنار بأنها محفوفة بما تشتهيه، في إشارة إلى أن الطريق إلى كل غايةٍ سامية يمرّ غالبًا بما يتجنبه الإنسان. فمقاومة المحبوب واحتمال المكروه ليسا موقفًا عدائيًّا من الحياة، بل إدراكٌ ناضج بأن الحياة اختبارٌ لا وليمة، وأن التعلق بها – بلذائذها كما بمخاوفها – هو ما يُبقي الإنسان أسير لحظته.
وفي واقع الإنسان اليومي، يتردد صدى هذا المعنى في كل تعريف حديث للنجاح: القدرة على تأجيل المتعة الآنية من أجل غايةٍ أبعد، واحتمال المشقة الحاضرة من أجل ثمرةٍ لاحقة. فالطالب الذي يقاوم إغراء الكسل، والمؤمن الذي يقاوم شهوة اللحظة ابتغاء رضا لا يُرى الآن، كلاهما يمارس الجهاد ذاته وإن اختلفت الميادين.
والغاية من كل ذلك ليست الحرمان لذاته، بل الخروج من دائرة التعلق التي تجعل الإنسان رهين ما يحب ورهين ما يكره في آنٍ واحد. فمن يملك زمام رغباته لا يهتز إذا فقد محبوبًا، ولا ينهار إذا واجه مكروهًا؛ لأنه يعيش في الدنيا دون أن تكون الدنيا هي من تعيش فيه.