النهار

٢٥ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ أغسطس-٢٠٢٦       2145

بقلم ـ د. ميرفت الجبار

تتصدر القهوة بين الحين والآخر حديث المجالس ومنصات التواصل الإلكترونية، ويكثر الجدل حولها، خاصة فيما يتعلق بثمنها.

فهي وإن كانت بطبعها سيدة المجالس، فهي أيضًا صانعة المزاج، وأميرة الذائقة، ولا يكاد يخلو اجتماع أو خلوة مع الذات إلا بحضرتها.

كما أن أماكنها تُعد متنفس للخروج عن الروتين، وملاقاة الأصدقاء، وإنجاز بعض المهمات، وذلك عبر المقاهي المتعددة في المولات والمجمعات.

وعلى الرغم من أن الحديث عنها لا يُقارن بالحديث عن أمور أكثر أهمية ومصيرية، أو أشد تأثيرًا على الميزانية منها، فإننا نرى الكثير من الجدل البيزنطي العريض بين الكتّاب وصنّاع المحتوى والمغردين، بل حتى في المجالس العامة؛ لخلق مشكلة من لا مشكلة حولها شكلًا، أو مضمونًا، سعرًا أو نفعًا!

قد يُتفهم موقف بعض الأهالي وامتعاضهم من أسعارها، التي قد يرون فيها مبالغة، كإجراء تنظيمي مع طلبات أبنائهم التي لا تنتهي، واعتبارها ميزانية إضافية تستنزف جيوبهم؛ فيوجّهون ويمنعون أو يقنّنون، وهذا موقف مفهوم تمامًا.

ما لا يُفهم حقيقةً هو مبالغة بعض المؤثرين في التشنيع على شراء  كوب قهوة  يقارب ثمنه العشرين ريالًا، وخلق ضجة وإثارة حافظة الجماهير حولها، وكأن القهوة هي المتحكمة في بناء أو هدم الميزانية التي يُتطلع من خلالها إلى بناء مشاريع أكبر!

التوجيه والترشيد أمران جيدان، ولكن إبداء الرأي بشكل جدي يصل إلى حد التشنج على «كوب قهوة»، أو فرض الوصاية والتشنيع على من ينفق يوميًا على قهوته؛ هو «الهوس الجديد»، وكأن الناس لا يعرفون مصلحة أنفسهم!

الاقتصاد في شراء كوب القهوة إلى حد الامتناع لن يبني لك قصرًا، والزهد فيها لا يحقق لك مصلحة إن كنت من محبيها. أما الشعور بتأنيب الضمير بسبب كاتب ينظّر عليك من برج عاجي، أو مستشار مالي لا يستهويه كوب القهوة، على حساب متعة مزاجك، أو غيرهما من المتهكمين والمنشغلين بسعر كوب قهوتك، وتصويره على أنه السبب الرئيس في خلخلة نظامك المالي؛ فهو في الحقيقة هدر لا طائل من ورائه، سوى الحسرة على ضياع يوم بلا قهوة سوداء أو شقراء، فرنسية أو تركية، وأخريات يضفن إلى يومك رونقه الخاص!

وكنت لأقول غير هذا الكلام قبل سنة واحدة فقط، عندما كنت من حزب الشاي!

فلا تجعل مزاجك رهنًا لرأي لا يقدم لك مشورة حقيقية، ويجادلك في كوب قهوة! إلا إن كنت ترى أن في كوب القهوة إخلالًا برصيدك، فتسدّد وتقارب، أو إضرارًا بصحتك، فتستبدل أو تمتنع.

الخلاصة: أنت أعلم برغباتك، وحارس مزاجك من المتطفلين، ومهكّري المتعة، وجالبي الغم.