الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يوليو-٢٠٢٦       2585

بقلم -غازي العوني

حين تكتشف الجليد حولك فلن يكون كجليد القطب الشمالي، لا بياض يبهر العين ولا ريح تعوي في الفضاء. إنه جليد خفي يتوارى خلف الملامح ويتسلل بين السطور، جليد صنعته عقول عشقت التعقيد فحولت الواضح إلى لغز والبسيط إلى متاهة، وقلوب أدمنت أن تطفئ المصابيح في وجوه الآخرين كمن يخشى أن يرى النور في عيونهم، وضمائر أوت إلى ثلوج من الترديد فنامت بعد أن كررت الأعذار حتى صدقتها وبردت.

في هذا القطب الداخلي يتجمد التفكير لا عن برد قارس وإنما عن كثبان متجمد يسد الطريق، حين تخاطب الجهل، وتحاور الكهوف، وتمضي في المتاهات بلا بوصلة، ومن ظنون معتمة كالليل السرمدي لا فجر لها، ومن صدى صوت يتردد في صحراء خالية لا يجيبه أحد. فيصمت العقل ويعتزل القلب وتركن الروح إلى زاوية باردة تظنها أمانا وهي في الحقيقة تجمد في صقيع الحياة.

غير أن الجليد وهم، فهو لا يحمي وإنما يقيد، ولا يروي من عطش وإنما يميت ببطء. وتحت كل قشرة جليد ماء ينتظر، وتحت كل سكون سؤال لم يمت يسأل: أهكذا أردت أن تعيش؟ والذوبان لا يحتاج شمسا عظيمة، يكفي أن نقول للتعقيد كفى، ولمن يطفئون النور فينا سلام، وللضمير عش دافئًا.

فالقطب الذي صنعناه من حولنا بأيدينا نهجره، ولسنا خُلقنا لنكون تماثيل من صقيع. خُلقنا لنحيا، نُخطئ ونُصيب، وندفأ بعقولنا حينما نزيح عنها الثلوج.