الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ يوليو-٢٠٢٦       2750

بقلم ـ عزت جمال محمود
لم يعرف عالم التصميم منذ ظهور الحاسوب الشخصي وبرامج النشر المكتبي تحوّلًا يوازي ما يشهده اليوم مع  الذكاء الاصطناعي  التوليدي. فخلال سنوات قليلة انتقلنا من أدوات تساعد المصمم على التنفيذ، إلى أنظمة قادرة على توليد الصور والشعارات والهويات البصرية كاملة بمجرد وصف نصي قصير. وبين مَن يرى في هذه الثورة فرصة ذهبية تحرّر المصمم من الأعمال الروتينية، ومَن يراها تهديدًا وجوديًا لمهنة عمرها أكثر من قرن، تقف الحقيقة — كما هي العادة — في منطقة وسطى تستحق التأمل. في هذا المقال أشارك تجربتي كمصمم عاصر المرحلتين: مرحلة ما قبل الذكاء الاصطناعي، ومرحلة العمل اليومي معه.
الوجه الإيجابي: شريك يضاعف قدرات المصمم
أول ما يلمسه المصمم المحترف عند دمج أدوات  الذكاء الاصطناعي  في عمله هو السرعة. فالمهام التي كانت تستهلك ساعات طويلة — مثل إزالة الخلفيات، وتحسين دقة الصور، وتجهيز مقاسات متعددة للمنصات المختلفة — أصبحت تُنجز في دقائق، ما يمنح المصمم وقتًا أطول للتفكير الإبداعي الذي هو جوهر المهنة الحقيقي.
ثاني المكاسب هو اتساع أفق الإلهام. فالأدوات التوليدية مثل Adobe Firefly وMidjourney تتيح للمصمم اختبار عشرات الاتجاهات البصرية لفكرة واحدة قبل أن يستقر على مساره، وكأن لديه فريق عصف ذهني كاملًا لا يتعب ولا ينام. وقد لاحظتُ في مشاريع الهوية البصرية أن مرحلة الاستكشاف الأولى التي كانت تستغرق أسبوعًا صارت تُنجز في جلسة عمل واحدة.
يضاف إلى ذلك أن  الذكاء الاصطناعي  جعل التصميم أكثر ديمقراطية؛ فأصحاب المشاريع الصغيرة الذين لم تكن ميزانياتهم تسمح بخدمات تصميم احترافية أصبحوا قادرين على إنتاج محتوى بصري مقبول، وارتفع معه سقف توقعات السوق بأكمله. كما فتحت هذه الأدوات بابًا واسعًا للتخصيص الذكي في الحملات التسويقية، حيث يمكن توليد نسخ متعددة من الإعلان الواحد تناسب كل شريحة من الجمهور — وهو أمر أراه يوميًا في تقاطع عملي بين التصميم والتسويق الرقمي.
ماذا تقول الأرقام؟ نتائج استطلاعات Adobe
تكشف استطلاعات Adobe أن  الذكاء الاصطناعي  لم يعد مجرد أداة لتسريع العمل، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في صناعة المحتوى والإبداع. ففي تقرير Creators’ Toolkit لعام 2026، أفاد 93% من صناع المحتوى بأن هذه الأدوات ساعدتهم على إنتاج المحتوى بوتيرة أسرع، فيما أكد 87% أنها أسهمت في نمو أعمالهم ووصولهم إلى جمهور أوسع، بينما اعتبر 75% أنها أصبحت جزءًا أساسيًا من سير عملهم اليومي.

ورغم هذا التبني الواسع، فإن الأرقام تكشف وعيًا متزايدًا بحدود التقنية. إذ يرى 85% من المبدعين أن القرار الإبداعي النهائي يجب أن يبقى بيد الإنسان، ويؤكد 57% أن المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي لا يزال يحتاج إلى مراجعة وتحرير قبل النشر. كما يخشى 42% من أن يؤدي الاعتماد المفرط على هذه الأدوات إلى تراجع البصمة الإبداعية الفردية.

وتعكس هذه النتائج حقيقة لافتة؛ فالمبدعون لا ينظرون إلى  الذكاء الاصطناعي  بوصفه بديلًا عن الإنسان، بل كوسيلة تعزز الإنتاجية وتختصر الوقت، فيما تبقى الرؤية، والذوق، والقدرة على اتخاذ القرار، عناصر يصعب فصلها عن العقل البشري. وبين سرعة الآلة وحس الإنسان، يبدو أن مستقبل الإبداع يتجه نحو الشراكة أكثر من الاستبدال.
الوجه السلبي: ثمن لا يظهر في الفاتورة
في المقابل، لا يمكن إغفال الكلفة الخفية لهذا التحول. أولى المشكلات هي التشابه البصري؛ فحين تستخدم ملايين الأيدي الأدوات ذاتها والنماذج ذاتها، تبدأ المخرجات بالتماثل، وتفقد العلامات التجارية أثمن ما تملك: هويتها المميزة. المتابع لمنصات التواصل اليوم يستطيع بسهولة تمييز "النكهة الموحدة" للصور المولدة آليًا.
المشكلة الثانية تمسّ مستقبل المهنة نفسها. فالمهام البسيطة التي كان يتدرب عليها المصممون المبتدئون — قص الصور، وتجهيز الملفات، والتعديلات السريعة — هي بالضبط ما تلتهمه الأتمتة اليوم. وإذا اختفت هذه الدرجات الأولى من السلّم، فمن أين سيصعد الجيل القادم من المحترفين؟
ثم هناك معضلة الملكية الفكرية التي لم تُحسم بعد: نماذج توليد الصور تدربت على أعمال ملايين الفنانين دون إذن صريح في كثير من الأحيان، ولا تزال التشريعات حول العالم تحاول اللحاق بواقع يتغير أسرع منها. يضاف إلى ذلك خطر الاعتماد المفرط؛ فالمصمم الذي يوكل كل شيء للآلة يفقد تدريجيًا عضلاته الإبداعية، تمامًا كما تضمر العضلات التي لا تُستخدم. وأخيرًا، تغرق السوق اليوم بكمّ هائل من التصاميم "المقبولة شكلًا، الفارغة مضمونًا" — أعمال تلمع في النظرة الأولى لكنها لا تحمل فكرة ولا تحل مشكلة، والتصميم في جوهره حلّ مشكلات قبل أن يكون زخرفة.
الذكاء الاصطناعي والتصميم في سوق العمل السعودي
ولعل المملكة العربية السعودية — حيث أعمل وأعيش — من أكثر الأسواق التي تتجلى فيها هذه التحولات وضوحًا وسرعة. فقد أعلنت المملكة عام 2026 "عامًا للذكاء الاصطناعي"، وفي يوليو من العام نفسه وقّعت وزارة الثقافة وصندوق التنمية الثقافي والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) مذكرة تفاهم ثلاثية لتوظيف  الذكاء الاصطناعي  في القطاعات الثقافية الستة عشر كافة، من العمارة والأزياء إلى النشر والأفلام، مع وضع أطر للحوكمة والملكية الفكرية تمنح المبدعين والشركات أرضية آمنة للابتكار. وعلى الضفة الأخرى، أطلقت شركة HUMAIN بالشراكة مع أرامكو وكوالكوم وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار برنامج "التصميم في السعودية بالذكاء الاصطناعي 2026" لاحتضان شركات ناشئة تبني حلولها داخل المملكة — مؤشرات تؤكد أن  الذكاء الاصطناعي  في السعودية ليس موضة عابرة، بل سياسة دولة ضمن مستهدفات رؤية 2030.
انعكاس ذلك على سوق العمل مباشر وملموس. فالمشاريع الكبرى والفعاليات والقطاعات الصاعدة — من السياحة والترفيه إلى التجارة الإلكترونية — تولّد طلبًا غير مسبوق على المحتوى البصري، وتغيّرت معه صيغة الوظيفة نفسها: فالإعلانات الوظيفية التي كانت تطلب "إتقان فوتوشوب وإليستريتر" باتت تضيف اليوم إتقان أدوات  الذكاء الاصطناعي  التوليدي شرطًا أو ميزة تفضيلية، وأصبحت القدرة على التكيف مع هذه التقنيات معيارًا أساسيًا للتوظيف في السنوات المقبلة. ومن واقع خبرتي في السوق السعودي منذ أكثر من عقد، أستطيع القول إن الفرصة اليوم ذهبية للمصمم الذي يجمع بين الحس الإبداعي الأصيل وإتقان هذه الأدوات وفهم خصوصية الثقافة المحلية؛ فالسوق لا يبحث عن مشغّل أدوات، بل عن مبدع يوظفها لصناعة هوية بصرية سعودية تنافس عالميًا.
وفي الختام، يتضح أن  الذكاء الاصطناعي  لن يُلغي مهنة التصميم، لكنه يعيد رسم حدودها بلا استئذان. فالقيمة لم تعد في إتقان الأداة — فالأدوات أصبحت متاحة للجميع — بل في العين المدرَّبة التي تميز الجيد من الرديء، وفي الفكرة التي تسبق التنفيذ، وفي فهم العميل والسوق والرسالة. إن المصمم الذي يتعامل مع  الذكاء الاصطناعي  كمساعد ذكي يقوده ولا ينقاد له، سيجد نفسه أقوى وأسرع وأوسع أثرًا من أي وقت مضى. أما من يقف موقف المتفرج الرافض، أو يستسلم للآلة استسلامًا كاملًا، فكلاهما سيدفع الثمن. الرسالة التي أوجهها لزملائي المصممين — وللجيل الجديد خصوصًا — بسيطة: تعلّموا هذه الأدوات وأتقنوها، لكن لا تسمحوا لها أبدًا أن تتعلم مكانكم كيف تفكرون.
عن الكاتب
عزت جمال محمد: مصمم جرافيك ومدير تسويق رقمي مقيم في الرياض، حاصل على بكالوريوس في التصميم الجرافيكي من جامعة الزيتونة الأردنية، وخبرة عملية تتجاوز أربعة عشر عامًا بين الأردن والسعودية. حاصل على شهادات دولية معتمدة من شركة Adobe بصفته محترفًا معتمدًا (Adobe Certified Professional) في التصميم البصري، والتصميم البصري باستخدام Adobe Photoshop، والتصميم الجرافيكي والرسم باستخدام Adobe Illustrator، إضافة إلى اعتماد Google Partner وشهادة Google Ads Search.