بقلم: أ. عجاب الحنتوشي
قبل أسابيع ، كتبت عن يوم الأب.
كتبت عن رجلٍ رحل وأنا في عامي الأول، فلم أعرف ملامحه إلا في الصور، ولم أحفظ نبرة صوته، ولم أعرف كيف يكون شعور الطفل حين يختبئ خلف كتف أبيه أو يمسك بيده وهو يعبر طرقات الحياة.
كنت أكتب عن فقدٍ قديم، ظننت أن الزمن علّمني كيف أتعايش معه، وكيف أحوله إلى دافع لأكون الأب الذي تمنيت أن يكون بجانبي، حتى لا يعيش أبنائي ما عشته من حرمان.
لكنني لم أكن أعلم أن القدر كان يكتب لي فصلًا آخر من الحزن.
بعد يومين فقط من حديثي عن أبي… رحلت أمي.
وكأن الحياة أرادت أن تقول لي: لقد كتبت عن أول اليُتم، وها أنت اليوم تكتبه كاملًا.
برحيلها لم أفقد أمي فحسب، بل فقدت آخر من كان يربطني بطفولتي، وآخر من كان يناديني بذلك الصوت الذي لا يشبهه صوت، وآخر قلبٍ كان يحبني دون سبب، ودون مقابل، ودون شروط.
لقد كان أبي هو الغياب الذي ولدت معه، أما أمي فكانت الحضور الذي عشت عليه.
هي التي حملت عني يتم الأب، وربّت، وصبرت، وخافت، ودعت، وأخفت تعبها حتى لا أشعر بثقل الحياة. كانت تؤدي دور الأم، وتحاول أن تسد ما استطاعت من فراغ الأب، حتى كبرت وأنا أظن أن صبرها أمرٌ عادي، ثم أدركت متأخرًا أنه كان بطولةً لا يقدر عليها إلا العظماء.
واليوم…
حين رحلت، شعرت أن البيت لم يفقد إنسانًا فقط، بل فقد روحه.
أصبحت أتذكر أنني كتبت عن أبي وأنا أملك أمي، أما اليوم فأكتب عنهما معًا، وقد اجتمع شوقي إليهما في قلبٍ واحد.
كم هي قاسية تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه لم يعد هناك أحد ينتظره بلهفة الأم، ولا أحد يدعو له في جوف الليل بذلك الإخلاص الذي لا يعرفه إلا قلب الوالدة.
في يوم الأب كنت أستحضر رجلًا لم أعرفه، واليوم أستحضر أمًا عظيمة عشت معها العمر كله، ثم رحلت كما رحل أبي من قبل.
فأصبحت الحياة بين فقدين؛
فقدٍ لم أعرف تفاصيله، وفقدٍ أعرف منه كل التفاصيل.
وربما لهذا السبب صار الحنين أثقل، وصارت الذكريات أكثر وجعًا، وصار الدعاء أطول.
ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن الله لا يأخذ شيئًا إلا وقد ادخر لصاحبه ما هو خير.
أسأل الله أن يجمع أبي وأمي في الفردوس الأعلى من الجنة ، وأن يجعل كل لحظة تعب عاشاها في الدنيا نورًا ورحمةً وسعةً في قبريهما، وأن يجعل برّي لهما بعد رحيلهما دعاءً لا ينقطع، وصدقةً لا تتوقف، وذكرًا جميلًا يبقى ما بقيت.
اليوم… لم أعد أكتب عن يوم الأب وحده.
بل أكتب عن اليُتم حين يكتمل، وعن قلبٍ تعلّم أن يعيش بنصفه، ثم وجد نفسه يبحث عن النصف الآخر، فلم يجده إلا في الدعاء.
رحم الله أبي… ورحم الله أمي.
وإذا كان الفقد يوجع القلوب، فإن الرجاء في لقاءٍ لا فراق بعده، هو ما يجعل المؤمن يبتسم رغم كل هذا الحزن.