بقلم- د. علي بن عالي السعدوني
قال الشاعر :
يا دُرَّةَ الصحراءِ أعشَبَ خاطري* لما رأيتُكِ شعلةً تتوقد
ليست الرياض مدينةً تقف عند حدود عمرانها واتساعها الجغرافي، ولا عاصمةً تُقاس مكانتها بعدد الأبراج والشوارع والمؤتمرات التي تستضيفها، وإنما أصبحت في الوعي السياسي الدولي مركزًا تتجه إليه الأنظار كلما تعقدت الملفات الإقليمية، وكلما تشابكت المصالح الدولية، وكلما ضاقت مساحات الحوار، وكلما بدا أن المنطقة تقف على حافة مواجهةٍ لا يعرف أحدٌ إلى أين يمكن أن تنتهي بعدما استطاعت المملكة العربية السعودية أن ترسخ مكانتها بوصفها دولةً تتعامل مع الأحداث بعقل الدولة الكبيرة التي تدرك أن الاستقرار ليس مكسبًا محليًا فقط بل هو قيمةٌ تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وإلى أمن الطاقة، وإلى مستقبل الشعوب التي تبحث عن الطمأنينة بعد سنواتٍ طويلةٍ من الاضطرابات.
الرياض اليوم مهدٌ للحضارات، ومنارةٌ للمعارف، وبوابةٌ للسلام، ونافذةٌ يطل منها الفكر العربي والإسلامي على العالم، وعصبٌ مهم في الاقتصاد الدولي الذي ترتبط به مصالح القارات، وميدانٌ تلتقي فيه الإرادات السياسية عندما تضيق الخيارات، ومكانٌ يثق كثير من قادة العالم بأن الحوار فيه يستطيع أن يفتح أبوابًا استعصت طويلًا على الحلول، وأن يهيئ أرضيةً تقوم على تغليب المصالح المشتركة، والبحث عن مخارج تحفظ الأمن والاستقرار، وتخفف من آثار الصراعات التي أنهكت المنطقة وأرهقت شعوبها.
وحين تتجه الأبصار إلى المملكة في أوقات الأزمات فإنها تتجه كذلك إلى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوصفه قائدًا ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بحضورٍ سياسي ودبلوماسي بارز، وبقدرةٍ على إدارة الملفات المعقدة من خلال الحوار، وبناء العلاقات، وصياغة المبادرات، وقراءة التحولات الإقليمية والدولية قراءةً تستند إلى حساباتٍ استراتيجيةٍ بعيدة المدى، وهو ما جعل المملكة طرفًا حاضرًا في كثيرٍ من القضايا التي شهدتها المنطقة والعالم.
ويحضر في الذاكرة ذلك البيت النبطي الذي يجسد صورة القائد الذي يلجأ إليه الناس عند اشتداد الملمات:
اضرب على الكايد لصرت بحلان
عند الولي مس الرشا وانقطاعه
ذلك البيت لا يستدعي معنى القوة المجردة بقدر ما يستحضر صورة القيادة التي تعرف كيف تحول الأزمات إلى فرصٍ للحوار، وكيف تجعل الحكمة تتقدم على الانفعال، وكيف توازن بين المصالح المتعارضة دون أن تفرط في الثوابت، وكيف تدير الملفات الدقيقة بعقلٍ هادئٍ يدرك أن الانتصار الحقيقي لا يتحقق باتساع رقعة الصراع، وإنما يتحقق عندما تتراجع أسباب النزاع، وتُصان مصالح الدول، ويحفظ الإنسان أمنه واستقراره.
إن الشرق الأوسط يعيش مرحلةً بالغة التعقيد تتداخل فيها الحسابات السياسية مع المصالح الاقتصادية، وتتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع التوازنات الدولية، وهو ما يجعل الحاجة إلى قيادةٍ تمتلك الرؤية، والخبرة، والقدرة على جمع الفرقاء حول طاولة الحوار، حاجةً تتجاوز حدود المجاملة السياسية إلى ضرورات الواقع الذي أثبت أن استمرار النزاعات لا يصنع منتصرًا بقدر ما يضاعف الخسائر على الجميع.
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية في محطاتٍ عديدة أنها تفضل لغة التهدئة، وتمنح الحوار فرصته الكاملة، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر انطلاقًا من مكانتها السياسية والدينية والاقتصادية، ومن شبكة علاقاتها الواسعة مع مختلف دول العالم، وهو نهجٌ جعلها تحظى بثقةٍ دوليةٍ متزايدة، وأسهم في ترسيخ صورتها بوصفها دولةً تعمل على دعم الاستقرار الإقليمي والدولي، وتؤمن بأن السلام هو الطريق الذي تستحقه شعوب المنطقة بعد عقودٍ طويلةٍ من التوتر والصراعات.
ولعل التاريخ يسجل أن الدول العظيمة لا تُعرف بما تملكه من أدوات القوة وحدها، وإنما بما تملكه من قدرةٍ على توظيف تلك القوة في صناعة الاستقرار، وما تمتلكه من قياداتٍ تستطيع أن تحول اللحظات الحرجة إلى فرصٍ للحلول، وأن تجعل الحكمة تتقدم على لغة التصعيد، وأن تبني جسور الثقة حيث ظن كثيرون أن الطرق قد انقطعت، وهي المعاني التي جعلت الرياض محطةً رئيسةً في السياسة الدولية، وجعلت المملكة حاضرةً في كل نقاشٍ يبحث عن مستقبلٍ أكثر أمنًا واستقرارًا للشرق الأوسط والعالم.