الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ يوليو-٢٠٢٦       2035

بقلم - حسن بن مفرّح الغزواني 

“ليس للرجال الصادقين موعدٌ مع النسيان؛ لأن آثارهم تظل تتحدث عنهم كلما صمتت ألسنتهم".

ليس أقسى على الأوطان من أن تنسى رجالها، وليس أجمل منها حين تحفظ لهم الجميل وهم أحياء. فالأمم لا تُقاس بعدد ما تبني من طرقٍ وجسور، وإنما تُقاس أيضًا بوفائها لمن حملوا رسالتها، وخدموا مجتمعهم في صمت، وأخلصوا لوطنهم دون أن ينتظروا تصفيقًا أو تكريمًا.

ومن أولئك الرجال الأستاذ حسن بن سلطان المازني؛ أحد رواد الصحافة في جنوب المملكة، ورجلٌ تجاوز عطاؤه أربعة عقود، متنقلًا بين عسير وجازان، يحمل قلمه كما يحمل صاحب الرسالة أمانته، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة قد تكون طريقًا إلى التنمية، وجسرًا بين المواطن والمسؤول.

كان ينتمي إلى زمنٍ كان الصحفي فيه يعرف الطريق إلى القرية أكثر مما يعرف الطريق إلى الشهرة، ويعرف أسماء الناس أكثر مما يعرف أسماء المنصات، ويؤمن أن الخبر لا تكتبه الأصابع، بل تكتبه الأقدام التي تمشي إلى الناس، والآذان التي تُحسن الاستماع إليهم، والقلوب التي تحمل همومهم. ولذلك لم يكن الإعلام عنده وظيفةً تنتهي بالتقاعد، بل رسالةً يبقى أثرها ما بقي من يذكرها بخير.

عمل في صحيفة المدينة خلال مرحلة كانت الصحافة فيها تُكتب بالأقدام قبل الأقلام. جاب سهول جازان، وتسلق جبالها، ووصل إلى قراها وهجرها، يرصد احتياجاتها، ويوثق مشروعات التنمية، وينقل ما كانت تقدمه الدولة –أيدها الله– من خدمات للمواطنين، ملتزمًا بالمهنية، بعيدًا عن التهويل، قريبًا من الحقيقة.

لم يكن حسن المازني يكتب عن الجبل لأنه جميل، بل لأنه كان يعلم أن خلف صخوره قريةً تنتظر طريقًا، أو مدرسةً تحتاج معلمًا، أو مريضًا ينتظر مركزًا صحيًا. وكان يدرك أن الخبر لا يولد في قاعات المؤتمرات، وإنما يولد حين ينحني الصحفي ليسمع شكوى شيخٍ كبير، أو يجلس في مجلس قريةٍ بعيدة، ثم يعود وفي يده حكاية وطن، لا مجرد سبقٍ صحفي. لذلك أحبّه الناس؛ لأنه لم يزرهم ليملأ دفتر ملاحظاته، بل زارهم ليحمل همومهم.

ولم يكن حضوره مقتصرًا على صفحات الصحيفة، بل كان حاضرًا في مناسبات الوطن، وفي المجالس الرسمية، يشارك بخبرته، ويؤدي رسالته بهدوء الواثق، بعيدًا عن ضجيج الظهور. وكما قال عباس محمود العقاد: “ليس العظيم من يشعر الناس بعظمته، بل من يشعرهم بعظمتهم.” وهكذا كان حسن المازني؛ جعل من قلمه نافذةً للناس، لا منصةً لنفسه، وجعل من الإعلام رسالةً تُبنى بها الأوطان، لا سلّمًا تُصنع به الشهرة.

وفي الأيام الماضية ؛ شدّدتُ الرحال وفي صُحبتي ابني فراس  إلى أبها ، لزيارة صديقي الإعلامي القدير المازني  الذي أقعده المرض، ولم يُقعده الإيمان، ولا سلبه ابتسامته. كانت بمثابة زيارة وفاء لرجلٍ عاش وفيًا لوطنه ومجتمعه، فكان من الوفاء أن يُزار، وأن يُذكر، وأن يُدعى له.

ولعل أكثر ما يلامس القلب في تلك الزيارة، أن الأستاذ حسن المازني لم يتحدث بلسان الشكوى، بل بلسان الرضا، مستحضرًا قول الله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. إنها كلمة لا يقولها إلا قلبٌ امتلأ يقينًا، فأدرك أن ما يقدره الله هو عين الحكمة، وأن البلاء بابٌ من أبواب الأجر إذا لقيه صاحبه بالصبر والاحتساب.

إن أكثر ما يؤلم أن بعض الرواد لا يُلتفت إليهم إلا بعد أن يغيّبهم الموت، وكأن الوفاء مؤجل إلى مراسم العزاء. بينما الوفاء الحقيقي أن نزورهم وهم بيننا، وأن نكتب عنهم وهم يقرؤون كلماتنا، وأن نشكرهم وهم يسمعون أصوات الامتنان. فالتكريم بعد الرحيل وفاء، أما التكريم في الحياة فهو عدل، والذكر الجميل في حياة الإنسان أجمل هدية يمكن أن تُقدَّم إليه.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا ليس: ماذا قدم حسن المازني للإعلام؟ فهذا تشهد به مسيرته الطويلة، ويعرفه كل من عاصره. وإنما السؤال الأجدر: ماذا قدمنا نحن لروادنا؟ كم من رجلٍ أفنى عمره في خدمة وطنه، ثم اكتفى في آخر الطريق بسرير مرض، أو عصا يتوكأ عليها، أو زيارة صديقٍ وفيّ ترد إليه شيئًا من دفء الأيام. إن الأمم الحية لا تكرم رجالها لأنهم طلبوا التكريم، بل لأن الوفاء جزءٌ من هويتها، وحفظ الجميل من شيمها.

لقد كان حسن المازني من جيلٍ آمن بأن الصحافة رسالة، وأن الكلمة أمانة، وأن الوطن يستحق أن يُبذل له العمر. واليوم، وإن أثقل المرض جسده، فإن أثره ما زال حيًا في ذاكرة المكان، وفي قلوب من عرفوه، وفي كل طريقٍ كتب عنه، وكل قريةٍ حمل صوتها، وكل قضيةٍ آمن بها، وكل إنسانٍ وجد في قلمه نصيرًا.

نسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يمنّ على  الأستاذ حسن بن سلطان المازني  بتمام الشفاء والعافية، وأن يبارك في عمره، وأن يجعل كل حرفٍ كتبه، وكل خطوةٍ خطاها في جبال الجنوب وسهوله، وكل قضيةٍ حملها بقلمه، في ميزان حسناته.