الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ يونيو-٢٠٢٦       2475

بقلم -شموخ نهار الحربي 

من أكثر الأشياء التي تثير دهشتي أن العقل لا ينسى كما نظن. نحن من ننشغل، ونركض خلف الأيام، ونقنع أنفسنا أن كل ما مضى أصبح خلفنا، لكن الذاكرة لها رأي آخر.

أحيانًا، ومن دون أي سبب واضح، يبدأ شريط الحياة بالدوران.

قد تكون تقود سيارتك في طريق اعتدت المرور منه مئات المرات، وفجأة تتذكر شخصًا كان يجلس إلى جوارك يومًا ما. أو تدخل مكانًا لم تزره منذ سنوات، فتشعر أن الزمن عاد بك إلى الوراء، ليس لأن المكان لم يتغير، بل لأن شيئًا في داخلك ما زال كما هو.

أكثر ما يدهشني في هذا الشريط أنه لا يعرض الأحداث الكبيرة فقط، بل يحتفظ بما هو أبسط من ذلك بكثير. يحتفظ بطريقة إلقاء السلام، وبضحكة كنا نسمعها كل صباح، وبصوت مفاتيح الباب عندما يعود أحد أفراد العائلة إلى المنزل، وبعبارات اعتدنا سماعها حتى ظننا أنها ستظل تتكرر إلى الأبد.

لم نكن نعلم وقتها أن تلك التفاصيل الصغيرة ستكون يومًا أغلى الذكريات.

بعد أن نفقد شخصًا نحبه، نكتشف أن الحنين لا يتعلق بالمواقف العظيمة فقط، بل يتعلق بكل ما كان يبدو عاديًا. نفتقد سؤالًا كان يتكرر كل يوم، أو نظرةً اعتدناها، أو وجودًا كان يملأ المكان طمأنينة دون أن نشعر بقيمته إلا بعد غيابه.

أحيانًا أسمع أحدهم ينطق كلمة بالطريقة نفسها التي كان ينطقها أبي، فألتفت بعفوية، وكأن جزءًا مني ما زال ينتظر أن يراه. وأحيانًا أمر بموقف فأبتسم مباشرة، لأنني أعرف تمامًا ماذا كان سيقول لو كان حاضرًا. هذه اللحظات لا تستمر طويلًا، لكنها تترك في القلب أثرًا يصعب وصفه.

أدركت مع الوقت أن الراحلين لا يغيبون عن حياتنا دفعةً واحدة، بل يبقون فيها بطرق مختلفة. يعودون في الدعوات، وفي العادات التي ورثناها عنهم، وفي الكلمات التي أصبحت تخرج من أفواهنا من غير أن نشعر. يعودون في ملامحنا، وفي تصرفاتنا، وحتى في طريقة تفكيرنا. وكأن جزءًا منهم استقر فينا، ليبقى مهما طال الغياب.

ولعل هذا هو شريط الحياة الحقيقي؛ ليس ذلك الذي يعرض ما حدث فقط، بل الذي يذكرنا بمن كانوا جزءًا من أيامنا. شريط لا نستطيع إيقافه، ولا نملك أن نختار متى يبدأ، لكنه كلما عاد، أعاد معه أشخاصًا كنا نتمنى لو أن الزمن منحنا معهم وقتًا أطول.

وأعتقد أن أصعب ما في الفقد ليس لحظة الوداع نفسها، بل تلك اللحظات التي تأتي بعد سنوات، عندما يحدث شيء جميل فتتمنى لو كان أول من تخبره هو ذلك الشخص، أو عندما تمر بأمر صعب فتشتاق إلى صوته وهو يطمئنك بأن كل شيء سيكون بخير. عندها تدرك أن الغياب لا يُقاس بالأيام، بل بعدد المرات التي احتجت فيها إلى شخص ولم تجده.

ومع ذلك، فإن في الذكريات رحمة خفية. صحيح أنها توقظ الحنين، لكنها تمنحنا شعورًا بأن من أحببناهم لم يختفوا تمامًا. فما دام العقل قادرًا على استحضار وجوههم، وما دام القلب لا يزال يعرف أماكنهم، فهم حاضرون بطريقة لا يراها أحد سوانا.

لذلك، كلما عاد شريط الحياة إلى الدوران، لا أحاول أن أهرب منه. أتركه يكمل ما يريد عرضه، حتى لو انتهى بدمعة. لأن بعض الدموع ليست ضعفًا، بل دليلًا على أن هناك أشخاصًا مروا في حياتنا وتركوا أثرًا لا يستطيع الزمن أن يمحوه.

وربما لهذا السبب، لا نخاف من النسيان بقدر ما نخاف أن يمر يوم لا نتذكر فيه من أحببنا. لكن الحقيقة المطمئنة هي أن الحب الصادق لا يختفي، بل يتحول إلى ذكريات، والذكريات تصبح وطنًا صغيرًا نعود إليه كلما اشتقنا، فيعيد إلينا أصواتهم، وملامحهم، وكل ما تركوه في قلوبنا من حياة.