الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ يوليو-٢٠٢٦       3465

بقلم - د. خالد بن يحيى القحطاني

كانت Nokia (عملاقاً) لا يُنافس في سوق الهواتف المحمولة، لكنها (خسرت) لأنها تأخرت في (فهم واستيعاب) التحول الحقيقي للسوق. المنافسة لم تكن حول الهاتف كجهاز فقط، بل حول (التجربة) التي يصنعها هذا الجهاز، وهنا لم تعد الخبرة والانتشار والموارد كافية للصمود، لأن الهاتف لم يعد وسيلة اتصال فقط، بل أصبح منصةً رقمية تصنع تجربة المستخدم وتعيد تشكيل السوق.
هذه (الحالة) كانت محوراً لدراسةٍ نُشرت عام 2016م في مجلة Administrative Science Quarterly للباحثين Timo O. Vuori وQuy N. Huy، تناولت الدراسة موضوع: كيف يمكن لشركة كبرى تملك الخبرة والانتشار والموارد أن تخسر مكانتها حينما أخطأت وقرأت المستقبل بتحيزٍ لنجاحات الماضي.
وقبل أن نتطرق الى ما توصلت اليه الدراسة للإجابة عن هذا التساؤل، يطرأ تساؤل آخر : هل يمكن الاعتقاد أن شركة رائدة مثل Nokia لم يكن لديها رؤية واستراتيجية تهدف لنموها واستدامتها؟!
الدراسة المشار اليها أعلاه خلصت الى أن من أهم أسباب أزمة Nokia وجود خلل كبير في قراءتها للواقع، فقد كانت Nokia منحازة، بل ربما (متطرّفة) تجاه نجاحاتها الآنية، ومطمئنة (أكثر من اللازم) إلى واقعها في وقتٍ كانت فيه التحولات من حولها تسابق الزمن. وهنا تتضح المعلومة التي يمكن أن تجيب عن تساؤلاتنا السابقة وهي: أن جوهر إشكالية Nokia لم يكن في غياب الرؤية أو الاستراتيجية، بل في كونها كانت تقرأ المستقبل متحيزةً لنجاحات الماضي.
قد لايدرك البعض خطورة هذا التحيز خاصة في ظل الطبيعة (الديناميكية) لبيئة الأعمال في عصرنا الحاضر، والتي تتصف بكونها غير ثابتة ولا مضمونة، بل واقع متغير تتداخل فيه السرعة مع عدم اليقين، وتتشابك فيه العوامل والمصالح، وتظهر فيه مواقف لا يمكن التنبؤ بها من خلال وجود اي دلالاتٌ أو اشارات تشير لذلك منذ البداية. 
هذا الواقع هو ما يعبّر عنه مفهوم VUCA، بوصفه إطارًا يصف أربعة أبعاد رئيسية لهذه البيئة، وهي: التقلب (Volatility)، وعدم اليقين (Uncertainty)، والتعقيد (Complexity)، والغموض (Ambiguity).
السؤال هنا؛ هل ما ذُكر يعني أنه لا جدوى من التخطيط، أو دعوة للتخلي عن التخطيط ؟! 
بالطبع لا ، فمعرفتنا بأننا نعمل في بيئة متغيرة( VUCA ) لا يعني أن نتخلى عن التخطيط ، بل هذا يعني أنه ( يجب ) علينا أن نخطط بوعي أكثر بحيث نكون أكثر إستجابةً ومرونةً واستشرافاً، فالخطة التي لا ترى التقلب، أو لا تعترف بعدم اليقين، أو لا تفهم التعقيد، أو لا تتعامل مع الغموض، قد تتحول من أداة توجيه إلى (قيد) على الفهم والتعلم. فالتخطيط لا يعني التمسك الأعمى بالخطة، كما أن المرونة لا تعني الحركة بلا اتجاه. المطلوب أن تعمل المؤسسة بمبدأ:  [الحوار بين التطلعات والواقع: تطلعات تصوغها الاستراتيجية في صورة أهداف وخطط، وواقع متغير يختبر صلاحيتها كل يوم]
هذا الحوار يجب أن يبدأ من فهم الفرق بين الغاية والطريق:
-فالغاية هي (البوصلة) ، على سبيل المثال : تحسين الخدمة، رفع الكفاءة، تعظيم الأثر، تطوير تجربة المستفيد، بناء قدرات مؤسسية جديدة. هذه (غايات) كبرى لا ينبغي أن تتبدل مع كل موجة تغيير. 
-أما الطريق إليها فليس طريق مقدس، فقد يكشف الواقع معلومات جديدة، أو يفرض أولويات مختلفة، أو يثبت أن بعض المبادرات لم تعد قادرة على إيصال المؤسسة إلى الأثر الذي تريده.
وهنا يتضح معنى الحوار بين التطلعات والواقع. فالتطلعات تمنح التخطيط (اتجاهه)، والواقع يكشف (خيارات الوصول إليه). لذلك تحتاج الاستراتيجية، في البيئة المتقلبة، إلى بدائل جاهزة، وفي بيئة عدم اليقين إلى مراجعة مستمرة للافتراضات التي بُنيت عليها. أما البيئة المعقدة، فتحتاج إلى وضوح في الأدوار والموارد والعلاقات. وفي البيئة الغامضة، يصبح السؤال الأهم: ما الذي يمكن تجربته أولًا قبل التوسع؟
بهذا المعنى، لا يصبح التخطيط وثيقة جامدة، بل حواراً  مستمراً بين الخطة والواقع. ولا تصبح مؤشرات الأداء مجرد أرقام تُرفع في التقارير، بل إشارات تساعد المؤسسة على فهم ما يحدث فعلًا، فقد يتحقق المؤشر ويغيب الأثر، وقد يتأخر الإنجاز ليس لأن الفريق أخفق بل لأن الطريق نفسه يحتاج إلى إعادة نظر.
[ إن أفضل الاستراتيجيات ليست تلك التي تدعي أنها تعرف المستقبل بالكامل، بل تلك التي تعرف كيف تتعامل معه عندما يفاجئها. وليست أقوى الخطط هي الأكثر تفصيلًا فقط، بل هي الأكثر قدرة على التعلم والتكيف دون أن تفقد اتجاهها].
في الختام وعلى النقيض من تجربة Nokia تقدم Netflix مثالًا من أجمل الأمثلة لمؤسسة لم تجعل التخطيط وثيقة جامدة، بل مسارًا قابلًا للتعلم. حيث كانت بدايتها في تأجير أقراص DVD، ثم انتقلت إلى البث الرقمي، ثم إلى إنتاج المحتوى. كانت الغاية واضحة: إيصال الترفيه إلى المشاهد بأفضل طريقة ممكنة، أما الطريق فظل قابلًا للتعديل مع تغير التقنية وسلوك العملاء.
وهنا تظهر قيمة مهارة التخطيط في بيئة VUCA: أن تثبت البوصلة، وأن يتغير المسار كلما تغير الواقع، فالتخطيط الاستراتيجي المحترف حوار واعي بين ما نطمح إليه وما يكشفه الواقع في طريق الوصول إليه.