بقلم :ياسين سالم
هنا الرياض .. حيث يُكتب تاريخ المنطقة بحبر الحكمة ، وتُبنى معادلات المستقبل بمنطق السيادة والاستقلال ، هنا قيادة اختارت أن تضع مصلحة شعبها وأمنها الطاقي فوق كل اعتبار ، فأعلنت للعالم عزمها على امتلاك كامل دورة الوقود النووي السلمي ، وتخصيب اليورانيوم على أرضها لأغراض مدنية بحتة ، وهذا القرار ليس ترفاً سياسياً ، بل ضرورة تنموية وحق سيادي أصيل كفلته المواثيق الدولية لكل دولة تسعى لتأمين مستقبل أجيالها ، فمن يُخصّب على أرضه ، يملك قراره الطاقي ، ويضمن تشغيل مفاعلاته للكهرباء وتحلية المياه دون أن يكون رهينة لتقلبات الأسواق أو اشتراطات الخارج ، ومن يوطّن تقنيته ، يضمن استدامة نهضته ،
ولم يكن مستغرباً أن تبدأ أصوات الاعتراض والصياح منذ لحظة الإعلان ، لأن نجاح الرياض في فرض شروطها يكشف عجز الآخرين عن ايقافها ، تصريحات وزير التراث الإسرائيلي الأخيرة ، وما سبقها من حملات إعلامية معادية ، تؤكد أن المملكة أصابت في قرارها وأسقطت كل محاولات الابتزاز ، لأن المملكة أعلنتها واضحة "برنامجنا النووي سلمي" ، وخاضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، ولن نقايض حقنا السيادي في التنمية بأي ملف سياسي ، لقد تهاوت أمام هذا الموقف الواضح كل المشاريع التي أرادت احتكار التقنية أو فرض الهيمنة ، ففشل مشروعٌ ظنّ أن الضغط يمنع الدول من امتلاك المعرفة ، وفشل مشروعٌ آخر توهّم أن الفوضى تعطيه شرعية نووية ، ونجح مشروع العرب بقيادة المملكة ، المشروع القائم على التنمية والسيادة والالتزام بالمواثيق الدولية دون تفريط في الحقوق ،
إن ثقة أمريكا والعالم في حكمة القيادة السعودية لم تأتِ من فراغ ، بل هي نتاج سياسة متزنة أعلنت أن النووي السعودي للطاقة والطب والزراعة وتحلية المياه ، وليس للتهديد او للهيمنة ، هذه الثقة تعززها تحالفات المملكة الاستراتيجية الراسخة ، فالعلاقة التاريخية مع جمهورية باكستان الإسلامية ، القوة النووية المسلمة ، تمثل عمقاً أمنياً للعالم الإسلامي ، وبين الرياض وإسلام آباد شراكة دفاعية متجذرة تقوم على المصير المشترك ، هذا العمق الاستراتيجي يمنح المملكة خيارات متعددة ، ويجعل تركيزها اليوم منصبّاً على توطين التقنية النووية السلمية لخدمة التنمية ، لأن أمنها محفوظ بفضل الله ثم بقوّتها وبتحالفاتها وبما تملكه من ثقل وقدرات ، لذلك أصبح "طول بال المملكة" مضرب مثل ، فحكمتها ممتدة في التعامل مع المتغيرات ، وبابها مفتوح للشراكة التقنية السلمية مع كل من يحترم سيادتها ، ومغلق أمام كل محاولات تسييس حقها المشروع في امتلاك التقنية ، وهذا الثقل الذي تتمتع به المملكة لم يكن وليد النفط وحده ، بل هو ثقل دولة رائدة في مجموعة العشرين ، تقود رؤية 2030، وتمتلك أكبر صندوق سيادي يستثمر في مستقبل البشرية ، وتحتضن قبلة المسلمين ، ومواقفها ثابتة مع الحق دون متاجرة ، هذا الثقل المركب هو ما جعل الرياض تُجبر العالم على احترام مكانتنا وحقنا في التخصيب السلمي على أرضنا ،
اليوم لا ننتظر أن يمنحنا أحد تقنية ، بل نوطّنها نحن بشروطنا ، ولا نطلب من أحد أن يرسم لنا مستقبل الطاقة ، بل نرسمه نحن بسيادتنا ، إن تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية على أرضنا هو خطوة في مسيرة تنموية شاملة ، تهدف لتأمين الكهرباء ، ومضاعفة إنتاج المياه المحلاة ، وتطوير الطب النووي ، وخدمة القطاع الزراعي ، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين ، العبرة في نهاية المطاف ليست بمن يصرخ أكثر في الإعلام ضد حقنا المشروع ، بل بمن ينجز أكثر على الأرض لخدمة شعبه ، والمملكة اختارت طريق الإنجاز والتنمية ، والتزمت ببرنامج سلمي شفاف يليق بمكانتها ، حفظ الله بلادنا وأدام عزها وسيادتها ، ونصر قادتها وسدد على طريق الخير خطاهم .