النهار
بقلم - د. مطيران علي النمس
الخلوة النفسية من أجمل اللحظات التي يقتطعها الإنسان من زحام أيامه ليمنح نفسه مساحة من الهدوء والتأمل والسلام الداخلي ففي تلك الدقائق الهادئة يستمع إلى صوته العميق بعيدًا عن ضجيج الحياة ويعيش حالة من السكينة تشبه ما وصفه الشاعر محمد العموش بقوله:
وفيك من السلام هدوء أم
لطفلٍ نام بين الرضعتين
فهي لحظات يكتشف فيها الإنسان ذاته ويعيد ترتيب أفكاره ومشاعره ويستشعر نعمة الطمأنينة التي كثيرًا ما نفتقدها وسط مشاغل الحياة.
ولعل جمال هذه الخلوة يشبه دلال طفل وحيد جاء بعد سنوات طويلة من الانتظار والترقب والدعاء، فامتلأت به القلوب فرحًا بعد أن كادت تفقد الأمل كما قال الشاعر:
وفيك من الجمال دلال طفلٍ
وحيد بعد عقم الوالدين
غير أن أجمل ما يرافق الإنسان في مختلف أحواله هو صدقه في اللجوء إلى الله في الرخاء كما في الشدة، وإيمانه بأن الفرج بيد الله وحده. فالدعاء يمنح الروح قوة ويبعث في القلب يقينًا لا تهزه العواصف ويجسد معنى الخضوع والتضرع الذي صوره الشاعر لنفسه بقوله:
وفيك من الجلال مشيب شيخ
توضأ بالدموع لركعتين
فالإنسان خلق ليواجه في حياته ألوانًا من التعب والمشقة كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، لكن الإيمان يبقى السند الذي يعينه على تجاوز الصدمات ومقاومة قسوة الأيام، ويمنحه القدرة على الاستمرار بثبات وأمل.
وهكذا تبقى الخلوة مع النفس مقرونة بذكر الله والتأمل في نعمه، من أعظم أسباب السكينة والاتزان لأنها تمنح الإنسان فرصة لمراجعة ذاته، وتجديد روحه واستمداد القوة التي تعينه على مواصلة رحلته في الحياة بقلب أكثر طمأنينة وإشراقًا