النهار

١٥ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ يونيو-٢٠٢٦       9515

بقلم ـ طارق محمود نواب
في زمنٍ كانتِ الكلمةُ تُصنعُ فيه على مهل، وكانتِ الفكرةُ تحتاجُ أعوامًا حتى تنضج، حيث كان المثقفُ يُشبهُ المنارة هادئًا عميقًا قليلَ الظهورِ كثيرَ التأثير. فلم يكنْ حضورهُ يُقاسُ بعددِ المتابعين، ولا بسرعةِ الانتشار، بل بقدرتهِ على تغييرِ وعيِ الإنسان، وصناعةِ الأسئلةِ التي تُربكُ العقولَ وتوقظُ المجتمعات.
لكنَّ العالمَ تغيّر فاليوم، نحنُ أمامَ زمنٍ سريعٍ إلى درجةٍ مخيفة، زمنٍ تُستهلكُ فيه الأفكارُ كما تُستهلكُ الأخبار، ويُصبحُ الصمتُ ضعفًا، والتأمّلُ بطئًا، والقراءةُ الطويلةُ رفاهيةً لا يملكُها الكثير.
ومن هنا ظهرَ السؤالُ الكبيرهل ماتَ المثقف؟ أم أنَّ الذي ماتَ هو الشكلُ القديمُ للمثقف فقط؟
فالحقيقةُ أنَّ المثقفَ لم يمت، لكنَّه خرجَ من عباءتهِ القديمة. فقد تغيّرتِ المنابر، وتبدّلتِ الأدوات، وانتقلَ الإنسانُ من المكتبةِ إلى الشاشة، ومن المقالةِ الطويلةِ إلى الفكرةِ الخاطفة، ومن الندوةِ الهادئةِ إلى العالمِ الرقميِّ الصاخب.
ففي الماضي، كان المثقفُ يجلسُ بينَ الكتبِ، ويكتبُ للصفوة، وتصلُ أفكارُهُ بعدَ وقتٍ طويل. أما اليوم، فإنَّ التأثيرَ أصبحَ أسرعَ، لكنَّه أكثرُ هشاشة. فالكلمةُ التي كانت تعيشُ سنوات، قد تموتُ الآنَ خلالَ دقائق وسطَ زحامِ المحتوى، وهنا تكمنُ الأزمة.
فبعضُ الناسِ ظنّوا أنَّ المثقفَ انتهى، بينما الحقيقةُ أنَّ الضجيجَ فقط أصبحَ أعلى من صوتِه. لأنَّ المثقفَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بحجمِ ظهوره، بل بعمقِ أثره. وقد يكونُ شخصًا مجهولًا يكتبُ فكرةً واحدةً تغيّرُ وعيَ جيلٍ كامل.
ولذلك، فإنَّ أخطرَ ما يواجهُ الثقافةَ اليوم، ليسَ قلّةَ الكُتّاب، بل كثرةَ الكلام. فالضوضاءُ الحديثةُ جعلتِ الإنسانَ يقرأُ كثيرًا، لكنَّه يفهمُ أقل، ويشاهدُ أكثر، لكنَّه يتأمّلُ أقل.
ومع ذلك، يبقى المثقفُ الحقيقيُّ موجودًا، لكنَّه لم يعدْ يرتدي الشكلَ التقليديَّ الذي اعتادهُ الناس. فقد تجدهُ في منصّةٍ رقمية، أو مقطعٍ قصير، أو بودكاست، أو تغريدةٍ صغيرة، لكنَّها تحملُ من الوعيِ ما لا تحملهُ مئاتُ الصفحات.
فالثقافةُ لا تموت، لكنَّها تغيّرُ لغتَها مع الزمن.
ولهذا، فإنَّ السؤالَ الأدقَّ ليس هل ماتَ المثقف؟ بل هل ما زالَ المجتمعُ قادرًا على تمييزِ المثقفِ الحقيقيِّ وسطَ هذا الضجيج؟
ولأنَّ المثقفَ الحقيقيَّ لا يختفي، بل يظلُّ دائمًا هناك هادئًا، يكتبُ بصمت، ويتركُ أفكارَهُ تمشي في العالمِ نيابةً عنه.