الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ يونيو-٢٠٢٦       4400

بقلم ـ عيسى المزمومى 

عندما غنّى الفنان الكبير الراحل ابو بكر سالم الفقية. رحمه الله : «ليه يا دنيا علامك؟» مرددًا: «كذا يرضيش يا دنيا تردّين الوفي عيّاب، والعايب وفي، ويبقى المعرّفي منكور في عينيش، والمنكور يبقى معرّفي،
ليه يا دنيا؟ متى بتنصفي؟»! 

كان يدرك أن الدنيا ليست دار مقر، وإنما هي دار ممر، وأننا جميعًا عابرون فيها إلى الدار الآخرة، حيث تكون نهاية الإنسان حفرة وقبرًا لا يتجاوز مترًا في متر ونصف. وهكذا تمضي الأيام بنا مسرعة نحو المجهول، وفي زمننا هذا اختلط الحابل بالنابل، وتبدلت كثير من الموازين، بكل أسف.
إن قسوة الدنيا تصنع رجالًا لا تلين عزائمهم أمام الصعاب، وتجعلهم أكثر إدراكًا للواقع وأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات مهما اشتدت. وفي المقابل، نجد من ربط سعادته بالمال، ذلك الذي يُقال عنه «وسخ الدنيا»، فيبذل الإنسان من أجله الغالي والنفيس، ويجعل همه الأكبر أن يزداد مالًا وولدًا، متناسيًا أن السعادة الحقيقية لا تُقاس بما يملك، بل بما يعيشه من رضا وقناعة.
وكثيرًا ما يقف الإنسان أمام مرآة الحياة متسائلًا بحسرة: «ليه يا دنيا علامك؟» وهو سؤال لا يطرحه الضعفاء وحدهم، بل يردده حتى أولئك الذين ظنوا أن الطريق مفروش بالورود، فإذا بهم يكتشفون أن لكل وردة شوكة، ولكل ابتسامة دمعة مختبئة في زاوية من زوايا العمر! 
فالدنيا لم تعد أحدًا بالراحة الدائمة، ولم تمنح إنسانًا صكًا يضمن له السعادة المطلقة. فهي بطبيعتها متقلبة، تدور كما تدور الفصول، وتبدل وجوهها كما تبدل السماء ألوانها بين الشروق والغروب. ومن فهم هذه الحقيقة عاش مطمئن القلب، ومن أنكرها ظل يصارع واقعًا لن يتغير.
الأزمات ليست نهاية الطريق، بل هي محطات تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. فالذهب لا يصفو إلا بالنار، والأشجار لا تشتد جذورها إلا حين تعصف بها الرياح، وما يبدو اليوم انهيارًا قد يكون غدًا بداية جديدة ما كانت لتولد لولا تلك العثرة.
إن إدارة الأزمات لا تبدأ بحل المشكلة، بل تبدأ بإدارة النفس. فالعقل المضطرب لا يرى سوى الظلام، أما العقل الهادئ فيستطيع أن يلمح بصيص النور حتى في أكثر اللحظات قسوة. لذلك فإن أول انتصار يحققه الإنسان هو أن يمنع الخوف من السيطرة على قراراته، وأن يمنح نفسه فرصة للتفكير قبل رد الفعل.
ومن أعظم الأخطاء أن يربط الإنسان قيمته بما يملكه أو بما يحققه من نجاحات. فكم من شخص خسر ماله وبقيت كرامته، وكم من آخر خسر منصبه فربح نفسه. فالقيمة الحقيقية تكمن في الثبات عند الشدائد، وفي القدرة على الوقوف من جديد بعد كل سقوط! 
كما تعلمنا الحياة أن الأشخاص قد يتغيرون، وأن الوعود قد تُخلف، وأن الأمنيات ليست دائمًا كما نرسمها في مخيلتنا. لكن ذلك لا يعني أن نفقد الثقة بالحياة، بل أن نتعلم كيف نضع آمالنا في موضعها الصحيح، وأن نؤمن بأن الخسائر جزء من رحلة النضج وليست إعلانًا للهزيمة.
وحين تضيق الدنيا بالإنسان، فإن أفضل ما يفعله هو أن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يميز بين ما يستطيع تغييره وما يجب عليه تقبله. فليست كل معركة تستحق أن نخوضها، وليست كل خسارة تستحق أن نستنزف أعمارنا في البكاء عليها.
ولعل أجمل ما في الأزمات أنها تكشف معادن البشر؛ فمنهم من يختفي عند أول اختبار، ومنهم من يحضر ليكون سندًا لا يُنسى. كما أنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف قوته الكامنة، تلك القوة التي لم يكن يعلم بوجودها إلا عندما اضطر إلى استخدامها! 
ويبقى السؤال: «ليه يا دنيا علامك؟» وربما يكون الجواب أن الدنيا ليست خصمًا لأحد، وإنما هي مدرسة كبيرة تمنح الدروس بطرق مختلفة، ولا توزع شهادات النجاح إلا على من صبر، وتعلم، ونهض من جديد! 
 و غالبًا الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي عشناها، بل بعدد المرات التي انتصرنا فيها على أنفسنا، وحولنا الألم إلى أمل، والعثرة إلى خطوة، واليأس إلى بداية جديدة. فكل أزمة تحمل في داخلها بذرة فرصة، وكل ليل مهما طال لا بد أن يفسح الطريق لفجر مشرق، وما عند الله خير وأبقى!