الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يونيو-٢٠٢٦       3025

بقلم- حذامي محجوب
    لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتعبير وتبادل الآراء ، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الوعي العام وصناعة المواقف . 
    غير أن هذا الانفتاح الرقمي حمل معه ظواهر مقلقة ، من بينها استغلال بعض هذه المنصات لتوجيه الإساءة إلى الدول الشقيقة والصديقة ورموزها وقياداتها ، في تجاوز واضح لحدود النقد المسؤول وحرية التعبير .
    فحرية الرأي لا تعني إطلاق العنان للإهانة ، ولا تمنح أي فرد الحق في المساس بكرامة الدول أو الإساءة إلى شعوبها وقياداتها . 
   فهناك فرق جوهري بين النقد الذي يُثري النقاش العام ، والخطاب الذي يتحول إلى إساءة متعمدة تهدد روح العلاقات الأخوية والاحترام المتبادل بين الأمم .
      ومن هذا المنطلق جاء الموقف السعودي واضحا  وحازما ، حين أكد وزير الإعلام السعودي أن الإساءة إلى قيادات الدول الشقيقة والصديقة  " مرفوضة تماما، وهي خط أحمر ، وتجاوز على شيمنا وأعرافنا وثقافتنا وأنظمتنا، ولا تهاون فيها " . وهي رسالة تتجاوز البعد القانوني لتعبّر عن منظومة قيم ترى في احترام الآخر أساسا  من أسس التعامل بين الدول والشعوب .
    فالعلاقات الدولية لا تقوم فقط على الاتفاقيات والمصالح المشتركة ، بل تقوم أيضا  على الأخلاق السياسية ، وعلى احترام سيادة الدول وكرامة شعوبها ورموزها . وأي خطاب يضرب هذه القاعدة لا يسيء فقط إلى طرف بعينه ، بل يضر بالمناخ العام للعلاقات بين المجتمعات .
     ولم يبق هذا الموقف في إطار التصريحات ، بل تُرجم إلى إجراءات عملية ، حيث أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في المملكة اتخاذ الإجراءات النظامية بحق أحد المخالفين بعد رصد محتوى تضمن إساءة إلى دولة شقيقة ورموزها ، مؤكدة أن مثل هذه التجاوزات تندرج ضمن مخالفات نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ، وأن متابعة المحتوى المسيء للدول الشقيقة والصديقة مستمرة .
       تكمن أهمية هذه الخطوة في تأكيد مبدأ بالغ الأهمية  : العالم الرقمي ليس مساحة بلا ضوابط ، والكلمة التي تُنشر على المنصات قد تكون لها آثار تتجاوز صاحبها لتصل إلى العلاقات بين الشعوب . فكما يمكن للإعلام أن يكون جسرا  للتقارب ، يمكن أيضا أن يتحول ، إذا غابت المسؤولية ، إلى أداة لنشر التوتر والانقسام .
     إن احترام قيادات الدول الشقيقة والصديقة ليس دفاعا عن أشخاص بقدر ما هو احترام للروابط التي تجمع الشعوب ، وللمكانة التي تمثلها الدول في محيطها الإقليمي والدولي . فالإساءة إلى الرموز الوطنية والسياسية للدول تمس في النهاية مشاعر شعوب كاملة وتفتح أبوابا  لا تخدم أحدا .
      لقد اختارت المملكة العربية السعودية أن تبعث برسالة واضحة : الانفتاح الإعلامي لا يعني الفوضى ، وحرية التعبير لا تنفصل عن المسؤولية ، والعلاقات بين الدول لا ينبغي أن تكون رهينة لمحتوى عابر أو خطاب منفلت .
    وفي مرحلة إقليمية ودولية دقيقة ، تحتاج المنطقة أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب يعزز الاحترام والتعاون ، لا إلى أصوات تغذي الخلافات وتزرع العداوات . 
  فالحزم في مواجهة خطاب الإساءة لا يحمي فقط هيبة القانون ، بل يحمي أيضا  قيمة أعمق : قيمة الأخوة بين الشعوب واحترام الدول وكرامتها .
    إن احترام الآخر ليس ضعفا ، بل دليل على قوة الدول ورقي المجتمعات .