الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يونيو-٢٠٢٦       4125

بقلم-غازي العوني

العالم لا ينام. من حدود مشتعلة هنا وهناك، إلى جبهات هجينة تتسع كل يوم، ومن حروب أهلية تغرق أراضيها بالدم، إلى تمدد التمرد في مناطق مضطربة، وحتى شبح مواجهات كبرى يلوح في الأفق.

أما الإنسان، فقلبه ينزف على مرأى من الجميع. ما بدأ معسكر الحرب بصياغة مسميات الحروب المتطرفة على مسميات غاضبة لم يكن ضربة عابرة، بل زلزالاً أعاد تشكيل الإرهاب مجدداً. سقطت الصواريخ على مدن آمنة، وأُغلقت ممرات مائية حيوية، وقصفت العلاقات الإنسانية، وعادت الحروب لتشتعل من جديد، كأن الهدنة كانت استراحة عابرة تلملم جراحها. حتى الإرهاب، الذي انخفض 60% بين 2014 و2020، عاد ليصعد من جديد، تاركاً ندوبه من 2022 حتى اليوم.

هذا هو معسكر الحرب: ضجيج مدافع، ومدن تُمحى، واقتصاد عالمي يختنق كلما أُغلق ممر مائي. هو معسكر يعدك بالنصر السريع، لكنه يبيعك الوهم بالتقسيط.

وهم الانتصار:
في مناطق الصراع، المكاسب العسكرية قصيرة الأجل تتعايش مع عدم يقين استراتيجي طويل الأمد. وفي مناطق كثيرة من العالم، رغم كل الإصلاحات، تبقى الهشاشة الاقتصادية وخلايا التحزب جمرة تحت الرماد، تنتظر ريحًا لتشعلها من جديد.

معسكر الحرب:
 يقنعك أنك منتصر وأنت محاط بالركام. أن كل صاروخ تطلقه هو نقطة، بينما هو في الحقيقة فاصلة في جملة دم لا تنتهي. تقصف مدينة، فتصنع جيلاً كاملاً من ذاكرة الألم والحزن.

التطرف:
 هو الذي يشعرك بأن وجودك قائم على اضطهاد الآخر، بينما من يحمل الضمير يشعرك بأن وجودك هو حماية للجميع.

معسكر السلام: 
 لا يسكنه الضعفاء. يسكنه من امتلك القوة واختار أن يقيدها بالحكمة. من فهم أن الأمن لا يُشترى بترسانة صاروخية، لأن الترسانات نفسها قد تنهار معها الأنظمة.

معاركنا الحقيقية لا تُخاض بالدبابات. معركتنا مع ذكاء اصطناعي يتسابق عليه العالم كأنه سباق الفضاء الجديد. معركتنا مع إرهاب يحتاج تعاونًا عابرًا للحدود، لا قصفًا أعمى. معركتنا مع مضائق يجب أن تبقى مفتوحة ليعيش الناس، لا مغلقة ليموتوا.

المنتصر في معسكر السلام هو من يملك شجاعة إيقاف الدائرة. من يقول "كفى" قبل الطلقة الأخيرة، لا بعد أن يفنى الجميع. هو من يستثمر في الكلمة الصعبة، وفي المفاوضات المُرهقة، وفي حلول تجعل الحرب خيار الحمقاء وحدهم.

الحقيقة:
 أن تختار معسكر السلام، فأنت تختار أن تُحارب كل يوم. تُحارب غضبك، كبرياءك، رغبتك في الانتقام. تختار أن تبني بيتًا وأنت تعلم أن حجرًا طائشًا قد يهدمه. لكنك تبنيه على أية حال. لأنك تؤمن أن حجرًا واحدًا في جدار الحياة، أقدس من ألف قذيفة في جدار الموت.

الدفاع عن النفس:
  أن تقف مع معسكر يبني الحياة لا يهدمها، وأن تعلم أن ضميرك هو حياتك. فحين يموت الضمير، تموت أنت حتى لو كنت تتنفس.

الهزيمة:
 ليست أن تخسر حزبك. التحزب يجعل وطنك حزبًا وليس مجتمعًا في وطن هو للجميع. الهزيمة أن تولد في مقبرة وتقنع نفسك أنها وطن، أن تورّث أبناءك لغة القنابل، وتتركهم يتامى على خريطة محروقة.

والانتصار ليس أن ترفع رايتك فوق أنقاض. النصر أن تنتصر لوطنك وليس لحزبك. الانتصار أن تنتشل طفلاً من تحت الركام، أن تزرع في قلبه حكاية غير حكاية الدم، أن تصنع من الرماد وطنًا، وتكتب على بابه: هنا تُولد الحياة، فادخلوها بسلام.  
الخاتمة:
أيها الإنسان، كلانا نخطئ ونصيب. لسنا هنا لننتقد، بل لننقذ ضمائرنا من أن تستمر في الغي ونحن نحسب أننا نحسن صنعًا، فإذا تحزبنا أضعنا مجتمعًا هو مصنع الإحسان، فلتكن مع مصنعك الأصلي حتى لا تصبح تقليداً أعمى.