بقلم- حسن بن مفرح الغزواني
الحمد لله الذي كتب على نفسه البقاء، وكتب على خلقه الفناء، فقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
يرحل الفقير والغني، والمسؤول والعادي، لكن تبقى سيرة الرجال الذين نقشوا أسماءهم في سجل الوفاء والصدق والأمانة.
أولئك الذين يفرحون بما خلّفوه من إرث الأخلاق النبيلة، والوطنية الصادقة، والوفاء لدينهم، ثم لمليكهم ووطنهم ومجتمعهم.
كان اللواء علي بن أحمد الذيب - رحمه الله - واحدًا من هؤلاء الرجال.
عاش جنديًا ضمن الصفوف، وضابطًا يؤدي واجبه، ثم ساقه الله في مدارج المسؤولية حتى تدرج إلى رتبة لواء، فعمل في ميادين الشرف والأمن بكل أمانة وإخلاص، داخل المملكة وخارجها.
ومن فضل الله عليه أن انتقل عمله من العاصمة الرياض إلى العاصمة المقدسة مكة المكرمة، فتشرّفت قدماه بتراب أطهر البقاع، وخدم في المشاعر المقدسة مسؤولًا عن التنظيم والتدريب والتوجيه والمتابعة والتنفيذ.
وكان قريبًا من الجميع، يعرفه الأفراد والضباط بابتسامته وبشاشته وتواضعه؛ فقد أدرك أن الحياة الباقية هي حياة الآخرة، وأن خير الناس أنفعهم للناس.
وقد قيل: "الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها الرجال الذين يؤمنون برسالتهم".
وللفقيد عندي موقف لن أنساه ما حييت، أحفظه له وأدعو له به ما بقيت. ففي إحدى المرات، أثناء مرافقته لصاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبدالعزيز - رحمه الله - في مراسم غسل الكعبة المشرفة، كنت ضمن مجموعة من الأفراد على سلم الكعبة.
وبعد انتهاء مراسم الغسل ومغادرة سمو الأمير، ناداني اللواء علي قائلاً: “اطلع يا حسن". فأدخلني إلى داخل الكعبة المشرفة، فصلّيت فيها ركعتين، وكان ذلك فضلًا من الله ساقه إليّ على يديه، ومكرمة لا تزال حاضرة في وجداني، أدعو له بسببها كلما دخلت صحن المطاف، ومن أمام باب الكعبة، وفي ظهر الغيب.
ومن زرع المعروف حصد المحبة، ومن بثّ الخير أورث الدعاء.
ثم أكرمني الله بالصلاة عليه في المسجد الحرام، وبتشييع جنازته ودفنه في مقبرة العدل بمكة المكرمة.
نسأل الله أن يغفر له، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
لقد عاش معنا قائدًا لقوة الحج والمواسم لعدة سنوات، ثم مديرًا لشرطة العاصمة المقدسة، وكان صاحب فضل عليّ بعد الله في نقلي إلى شرطة منطقة جازان عام 1414هـ.
ولم تنقطع صلته بإخوانه بعد التقاعد؛ فقد زارني في منزلي بمحافظة العيدابي بمنطقة جازان، برفقة اللواء سليمان العلكمي، واللواء محمد يحيى اليزيدي، والرقيب أول مهدي علي عسيري - رحمهم الله جميعًا - وكان معهم أخونا اللواء عبدالله عسيري.
المناصب تنتهي بالتقاعد، أما الأخلاق فلا تتقاعد أبدًا.
ولئن كانت الرتب العسكرية تُعلَّق على الأكتاف، فإن المروءة تُعلَّق في القلوب، وإن الأوسمة الحقيقية ليست تلك التي تُمنح في ساحات التكريم، بل تلك التي ينسجها الناس من الدعوات الصادقة وذكريات المعروف.
لقد غادر اللواء علي بن أحمد الذيب هذه الدنيا كما يغادرها كل إنسان، لكنه ترك خلفه ما يعجز الزمن عن محوه: سيرةً عطرة، ومواقف نبيلة، ووجوهًا كثيرة تلهج له بالدعاء. وهكذا يكون الرجال؛ يمضون إلى ربهم، وتبقى أعمالهم تتحدث عنهم في غيابهم.
وقد قيل: “الذكر الحسن عمرٌ ثانٍ يكتبه الناس للراحلين".
فليس أعظم من أن يرحل الإنسان وقد ترك خلفه أثرًا طيبًا، وذكرًا حسنًا، وقلوبًا تلهج له بالدعاء.
فالرجال لا يرحلون حين يُوارَون الثرى، وإنما يرحلون حين ينقطع أثرهم؛ أما أصحاب السيرة الحسنة، فإنهم يعيشون في دعاء الناس وإن غابوا عن أبصارهم.
رحم الله اللواء علي بن أحمد الذيب رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لدينه ووطنه ومليكه ومجتمعه، وجمعه بمن يحب في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ويبقى من الإنسان ثلاثة: أثرٌ طيب، وذكرٌ حسن، ودعوةٌ صادقة.
ونسأل الله أن يغفر لموتى المسلمين جميعًا، وأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين، وأن يديم على وطننا أمنه واستقراره ورخاءه، وأن يحفظ شعبه الوفي.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.