بقلم - د. علي بن عالي السعدوني
كلما فُتح ملف التوظيف في المدارس الأهلية، وكلما جرى الحديث عن تعيين المعلمين والمعلمات والمديرين والوكلاء والموجهين الطلابيين ورواد النشاط، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره بقوة: لماذا تظل عملية الاختيار موزعة بين عشرات المدارس لكل مدرسة رؤيتها الخاصة وآلياتها المختلفة ومعاييرها المتباينة في حين أن الميدان التعليمي داخل المنطقة الواحدة يعمل تحت مظلة تعليمية واحدة، ويخضع لأنظمة واحدة، ويسعى إلى تحقيق أهداف وطنية واحدة؟
إن فكرة إنشاء منصة توظيف مستقلة في كل منطقة تعليمية ليست مجرد إجراء إداري جديد، وإنما إعادة صياغة لفلسفة التوظيف بأكملها، إعادة تجعل الكفاءة المهنية هي اللغة الوحيدة التي تتحدث بها المفاضلات، وتجعل المؤهل العلمي والخبرة العملية والرخصة المهنية وسجل الإنجازات والأداء الوظيفي والمقابلات الشخصية هي الممرات الحقيقية التي يعبر منها المرشح إلى الوظيفة بعيدًا عن تباين الاجتهادات واختلاف الرؤى وتعدد المعايير التي قد تتغير من مدرسة إلى أخرى ومن إدارة إلى أخرى.
فإذا كانت أي منطقة تعليمية تضم عشرات المدارس الأهلية، وإذا كانت تلك المدارس تبحث سنويًا عن معلمين ومديرين ووكلاء وموجهين طلابيين ورواد نشاط، فما الذي يمنع أن تكون هناك منصة مركزية خاصة بالمنطقة تتولى استقبال الطلبات وفرزها وتحليلها وترتيبها وفق درجات دقيقة ومعلنة، ثم تعلن أسماء المستحقين بناءً على نتائج المفاضلة دون أن يكون لأي مدرسة حق التدخل في عملية الاختيار أو الاستبعاد أو الاستثناء أو الترشيح خارج إطار المنصة؟
إن المدرسة في هذه الحالة تتحول إلى جهة مستفيدة من الكفاءات التي أفرزتها المفاضلة، لا جهة تصنع المفاضلة نفسها؛ لأن العدالة تزداد حضورًا عندما تُفصل الجهة المستفيدة عن الجهة التي تتولى الاختيار، ولأن النزاهة تصبح أكثر وضوحًا عندما تنتقل قرارات التوظيف من نطاق المؤسسات الفردية إلى إطار مؤسسي منظم يخضع للرقابة والمعايير المعلنة والإجراءات الموحدة.
كما أن وجود منصة مناطقية موحدة سوف يحقق قدرًا كبيرًا من الاستقرار الوظيفي، ويمنح المتقدمين شعورًا بالثقة في أن فرصهم لا ترتبط بمعرفة شخصية أو توصية عابرة أو انطباع مؤقت يتكون خلال دقائق معدودة، وإنما ترتبط بسجل مهني متكامل جرى تقييمه وفق مؤشرات واضحة يمكن للجميع الاطلاع عليها وفهمها ومراجعتها.
وليس من المنطقي أن يبقى مدير مدرسة أو مالك مؤسسة تعليمية هو صاحب القرار الأول والأخير في اختيار القيادات التربوية والمعلمين في الوقت الذي أصبحت فيه معظم القطاعات الحديثة تعتمد على أنظمة إلكترونية ومفاضلات دقيقة ولجان متخصصة تضمن وصول الأكفأ إلى الموقع المناسب، فالتعليم ليس مشروعًا تجاريًا يبحث عن موظف عادي، وإنما صناعة للعقول وتشكيل للأجيال وبناء للوعي الوطني والمعرفي الأمر الذي يجعل معايير الاختيار أكثر حساسية وأشد ارتباطًا بالمصلحة العامة.
وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما نتحدث عن الوظائف القيادية؛ لأن مدير المدرسة ووكيلها والموجه الطلابي ورائد النشاط لا يمارسون أعمالًا إجرائية محدودة الأثر، وإنما يقودون بيئة تربوية كاملة تتشكل داخلها شخصية الطالب وقيمه واتجاهاته وانضباطه وسلوكه، ولذلك فإن وصولهم إلى مواقعهم ينبغي أن يمر عبر مراحل دقيقة من التقييم والمقابلات المهنية والاختبارات النوعية التي تنفذها لجان متخصصة تمتلك الخبرة الكافية في اكتشاف الكفاءات القيادية لا أن تبقى رهينة تقديرات فردية تختلف باختلاف الأشخاص والظروف.
أما الرخصة المهنية فيجب أن تكون البوابة الأولى التي لا يمكن تجاوزها تحت أي ظرف؛ لأنها تمثل الحد الأدنى من الكفاءة العلمية والتربوية التي تؤكد أن المتقدم يمتلك المعارف والمهارات التي تؤهله للعمل داخل الميدان التعليمي، وأنه اجتاز معايير وطنية موحدة لا تخضع للأهواء أو الاجتهادات الشخصية.
إن بقاء قرارات التوظيف داخل نطاق المدارس الأهلية يثير كثيرًا من التساؤلات حول مدى توحيد المعايير وعدالة الفرص بين المتقدمين؛ لأن الوظيفة التعليمية ليست منصبًا إداريًا محدود الأثر يمكن حسمه وفق قناعات شخصية أو اجتهادات فردية أو انطباعات تتشكل خلال لقاء قصير، بل هي مسؤولية تمتد آثارها إلى الطالب والأسرة والمجتمع والوطن بأكمله. ولذلك فإن الحاجة إلى منصات توظيف مناطقية تشرف عليها وزارة التعليم لم تعد مطلبًا تنظيميًا عابرًا، وإنما استحقاقًا مهنيًا يهدف إلى ضبط معايير الاختيار، وإخضاع جميع المتقدمين لميزان واحد، وإغلاق مساحات التفاوت التي قد تنشأ بين مدرسة وأخرى، حتى تصبح الكفاءة العلمية والخبرة المهنية والرخصة التعليمية هي الطريق الوحيد للوصول إلى الوظيفة، لا أي اعتبارات أخرى قد تحجب الأكفأ وتقدم من هو أقل استحقاقًا.