الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ أغسطس-٢٠٢٦       1980

بقلم : مقبل الشليخي

قبل أيام، وفي أحد المقاهي، كنت أتأمل الحضور من حولي، ولاحظت أن الزي السعودي المتكامل لم يعد حاضراً كما كان، خصوصاً بين بعض الشباب. فالثوب مع الشماغ والعقال، الذي ظل لعقود جزءاً أصيلًا من مشهدنا اليومي، أصبح أقل حضوراً في بعض المقاهي والمطاعم، وكأن صورة اعتدناها طويلاً بدأت تتوارى بهدوء.

 

لا أكتب هذا بدافع الحنين إلى الماضي، ولا اعتراضاً على اختلاف الأذواق، فلكل إنسان حرية اختياره. لكن هناك فرق بين تنوع اللباس، وبين أن يتراجع حضور زي ظل جزءاً من هوية المجتمع السعودي، وعلامة على أصالته وخصوصيته.

 

فالزي السعودي المتكامل لم يكن يوماً مجرد مظهر، بل هو موروث اجتماعي توارثته الأجيال، وصورة عُرف بها السعودي في الداخل والخارج. ولهذا بقي حاضراً في المناسبات الوطنية والرسمية، وفي الوزارات والجهات الحكومية، وفي سفارات المملكة ومحافلها الدولية، لأنه يمثل هوية وطن قبل أن يكون اختياراً شخصياً.

 

ومن الإنصاف القول إن هذه الملاحظة لا تشمل عامة الشباب، فما زال كثير منهم يعتزون بزيهم الوطني، ويرتدونه في أعمالهم وجامعاتهم ومناسباتهم وحياتهم اليومية. لكن اللافت أن بعض الشباب أصبحوا يربطون الأناقة بما تعرضه منصات التواصل الاجتماعي، وما تفرضه الموضة المتغيرة، حتى تراجع حضور الثوب مع الشماغ والعقال في بعض الأماكن التي كان ظهوره فيها أمراً طبيعياً.

 

وليس في المحافظة على الزي السعودي ما يتعارض مع الانفتاح أو مواكبة العصر، فالهوية الحقيقية لا تقف في وجه التطور، بل تسير معه وتحفظ للمجتمع ملامحه الخاصة. ويمكن للإنسان أن يكون عصرياً وأنيقاً، وفي الوقت نفسه معتزاً بما ورثه عن آبائه وأجداده.

 

ولا يحتاج الأمر إلى فرض أو إلزام، بقدر ما يحتاج إلى قناعة بأن الزي السعودي المتكامل ليس لباساً رسمياً فحسب، بل جزء من عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا الاجتماعية. وحين يبقى حاضراً في المقاهي والأسواق والمنتزهات ومختلف تفاصيل حياتنا، تبقى معه صورة المجتمع التي عرفناها واعتززنا بها.

 

قد يراه البعض مجرد ثوب وشماغ وعقال، لكنه في حقيقته يحمل قصة مجتمع، وتاريخ وطن، وموروث يستحق أن يبقى حاضراً. فالهوية لا تحفظ بالشعارات وحدها، وإنما بما نمارسه في حياتنا اليومية، والزي السعودي سيبقى أحد أبرز رموزها ما دمنا نعتز به ونحافظ عليه.