الكاتب :
التاريخ: ٠٩ يونيو-٢٠٢٦       4070

بقلم - د. عبدالرحمن بن دحام السفان
ليست صحة الفم والأسنان مسألة تُحسم في عيادة الأسنان وحدها، بل هي انعكاس مباشر لأسلوب حياتنا اليومي، وفي مقدّمته: ما نأكله، وكيف نأكله، وكم مرة نكرره خلال اليوم. فالفم لا يتعامل مع الطعام كحدث عابر، بل كتعرض متكرر يترك أثره التراكمي على المينا، واللثة، وبيئة الفم بالكامل.
عند الحديث عن التسوس، غالبًا ما يتم التركيز على السكريات باعتبارها المتهم الأول، لكن الفهم العلمي الأدق يشير إلى أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في تناول السكر مرة واحدة، بل في تكرار التعرض له على مدار اليوم.
فكل مرة يدخل فيها السكر إلى الفم، تنشط البكتيريا المسببة للتسوس وتنتج أحماضًا تُضعف طبقة المينا. وعندما يتكرر هذا المشهد عشرات المرات عبر الوجبات الخفيفة والمشروبات المحلاة، تتحول بيئة الفم إلى حالة هجوم مستمر لا تمنح الأسنان فرصة كافية للاستشفاء.
الكمية والتوقيت: مفاتيح غالبًا ما تُهمل
الصحة الغذائية لا تُفهم بشكل صحيح إذا اختُزلت في “ممنوع ومسموح”. فحتى الطعام الجيد قد يفقد أثره الإيجابي إذا أُسيء استخدامه من حيث الكمية أو التوقيت.
إن ما يحدد الأثر الحقيقي على الأسنان ليس نوع الطعام وحده، بل:
•    كمية ما يتم تناوله
•    عدد مرات التعرض خلال اليوم
•    وتوقيت تناول الطعام بالنسبة لبقية الوجبات
هذا الفهم الثلاثي هو ما يميز التغذية الوقائية الحديثة عن المفاهيم التقليدية المبسطة.
الخضروات: أكثر من غذاء، إنها أداة تنظيف طبيعية
الخضروات الطازجة تمثل عنصرًا محوريًا في صحة الفم، ليس فقط لقيمتها الغذائية، بل لطبيعتها الميكانيكية أيضًا. فالأطعمة الغنية بالألياف تحتاج إلى مضغ أطول، وهذا بحد ذاته يحقق فوائد متعددة:
•    تحفيز إفراز اللعاب، وهو خط الدفاع الأول ضد التسوس
•    تقليل تراكم بقايا الطعام
•    تنشيط الدورة الدموية في أنسجة اللثة
•    دعم صحة الأنسجة الفموية عبر الفيتامينات ومضادات الأكسدة
بمعنى آخر، الخضروات لا تغذي الجسم فقط، بل تُسهم في تنظيف الفم بطريقة طبيعية أثناء الأكل نفسه.
الألبان والأجبان: دعم مباشر لبنية الأسنان
تحتل منتجات الألبان مثل الحليب واللبن والأجبان مكانة مهمة في صحة الأسنان، نظرًا لغناها بالكالسيوم والفوسفور والبروتينات، وهي عناصر أساسية في بناء المينا ودعم العظام المحيطة بالأسنان.
كما أن بعض أنواع الأجبان تساعد على رفع درجة الحموضة داخل الفم بعد تناول الطعام، مما يخلق بيئة أقل ملاءمة لنشاط البكتيريا المسببة للتسوس، ويعزز عملية إعادة تمعدن سطح الأسنان.
الألياف: تأثير غير مباشر لكنه عميق
الألياف الغذائية غالبًا ما يُنظر إليها من زاوية الجهاز الهضمي فقط، لكنها في الواقع تلعب دورًا مهمًا في صحة الفم أيضًا. فهي:
•    تزيد من إفراز اللعاب
•    تساعد على تنظيف الأسنان أثناء المضغ
•    تقلل من التصاق البكتيريا وبقايا الطعام
•    وترتبط عادةً بنمط غذائي أقل اعتمادًا على السكريات المصنعة
وبذلك فإن تأثيرها يتجاوز الهضم ليصل إلى حماية بيئة الفم نفسها.

حين يُختزل الغذاء في “قوائم صارمة”
في المقابل، ظهرت بعض التوجهات الغذائية التي تميل إلى تصنيف الأطعمة بشكل حاد إلى “جيد” و“سيئ”، مع الدعوة إلى استبعاد مجموعات غذائية كاملة دون مراعاة كافية للتوازن الغذائي العام.
ورغم أن تبسيط المفاهيم قد يبدو جذابًا وسهل التطبيق، إلا أن المشكلة تكمن في أنه يتجاهل حقيقة أساسية في علم التغذية: الجسم البشري لا يُبنى على الإقصاء، بل على التنوع والتكامل.
فاستبعاد مجموعات غذائية لفترات طويلة قد يؤدي إلى نقص في عناصر غذائية أساسية تنعكس آثارها على صحة اللثة، وقدرة الجسم على مقاومة الالتهابات، وكفاءة ترميم الأنسجة الفموية.
في النهاية، لا تُصنع صحة الفم والأسنان بقرار واحد، بل بسلسلة من الاختيارات اليومية المتكررة. فالمعادلة الحقيقية لا تقوم على المنع، بل على الوعي:
•    تقليل السكريات
•    تقليل تكرار التعرض لها
•    الاعتدال في الكمية
•    تعزيز التنوع الغذائي
•    والإكثار من الخضروات، الألياف، ومنتجات الألبان
فالأسنان الصحية ليست نتيجة نظام صارم، بل نتيجة أسلوب حياة متوازن. 

عن الكاتب: أخصائي وأستاذ مشارك في صحة أسنان المجتمع