بقلم - د. علي بن عالي السعدوني
شتان بين تجربة إدارية وأخرى، وشتان بين مكان تشعر منذ دخولك إليه أن هناك من يفكر في المراجع ويحاول اختصار الطريق أمامه، ومكان آخر ما زال يحتاج إلى مراجعة كثير من التفاصيل الإدارية التي قد يراها البعض صغيرة لكنها في عين المراجع تمثل الخدمة كلها، وهذا ما خرجت به من تجربتي بين المستشفى المركزي ومستشفى الملك خالد بحفر الباطن، وهي تجربة شخصية أكتبها كما عشتها دون رغبة في الانتقاص من أحد أو المبالغة في الثناء على أحد؛ لأن من حق المؤسسة التي أحسنت أن نشكرها، ومن حق المؤسسة التي نرى في خدمتها جوانب تحتاج إلى تطوير أن نقول ذلك بوضوح ومحبة، فالهدف في النهاية ليس صناعة مقارنة بين مبنيين بقدر ما هو الحديث عن الإنسان الذي يدخل إليهما طالبًا خدمة صحية تليق به.
في مستشفى الملك خالد وجدت فلسفة إدارية مختلفة وجدت سرعة في الإنجاز مقرونة بحسن التعامل، وتنظيمًا لا يجعلك تشعر بأنك تدور في دائرة من الإجراءات، وموظفين يعرفون أن التواصل مع المراجع ليس مجرد إجابة سريعة تنتهي بعدها المهمة بل إنصات وفهم للحاجة ومحاولة لإنجازها بأيسر طريق ممكن، وهذا النوع من الخدمة يجعل المراجع يشعر بالفرق من اللحظة الأولى؛ لأن جودة المؤسسات لا تحتاج دائمًا إلى شعارات كبيرة حتى نعرفها بل قد تراها في موظف يستقبلك باهتمام، وفي آخر يحمل أوراقك ويسعى في إنجازها، وفي طريقة حديث تشعرك بأنك موضع احترام، وفي دقائق تختصر عليك انتظارًا كان يمكن أن يمتد طويلًا.
وقد شاهدت بنفسي سكرتير مدير المستشفى الأستاذ بسام العنزي وهو يحمل أوراق المراجعين ويتابع احتياجاتهم بابتسامة ورضا، ولم أر في ذلك مجرد تصرف عابر يستحق الشكر بل رأيت فيه رسالة إدارية جميلة جدًا؛ لأن الموظف القريب من مكتب المدير عادة ما يكون مرآة لثقافة الإدارة التي يعمل معها، وعندما يصل التعامل الإنساني وخدمة المراجع إلى هذه المساحة فإننا أمام مفهوم إداري يفهم أن المنصب والمكتب والسكرتارية لم توجد لصناعة الحواجز بين المسؤول والناس، وإنما وجدت لتنظيم الخدمة وتسريعها والوصول بالمراجع إلى حاجته بأقل قدر من المشقة.
هذه الصورة التي وجدتها في مستشفى الملك خالد تجعلني أعتقد أن خلفها إدارة استطاعت أن تقدم لموظفيها رسائل واضحة في معنى الخدمة، وهذا يحسب لمدير المستشفى الدكتور سلمان بن فهد الظفيري؛ لأن المدير الناجح في تقديري ليس الذي ينجز العمل بنفسه ولا الذي نراه في كل زاوية من المنشأة، وإنما الذي يستطيع أن يجعل فلسفته الإدارية تتحرك بين الناس من خلال موظفيه، فتجد أثره في الاستقبال، وتقرأ طريقته في الإدارة من خلال أسلوب الموظف، وتشعر بحضوره في سرعة الإجراء وإن لم تقابله، فالقيادة لا تقاس بمساحة المكتب ولا بعدد الاجتماعات، وإنما تقاس بقدرتها على تحويل الموظف من منفذ لإجراء إلى إنسان يشعر بمسؤوليته تجاه من جاء يطلب الخدمة.
وفي المقابل كانت تجربتي مع المستشفى المركزي مختلفة من الجانب الإداري، فقد شعرت أن هناك حاجة إلى مزيد من التثقيف الإداري في التعامل مع الجمهور، وإلى تعزيز مفهوم سرعة الإنجاز وجودة الاتصال والإنصات للمراجع؛ لأن المستشفى ليس مكانًا مناسبًا للبيروقراطية الثقيلة ولا للتواصل الجاف، والمراجع الذي يصل إلى المنشأة الصحية يأتي وفي داخله ما يكفيه من القلق والتعب، فلا ينبغي أن نضيف إليه تعب السؤال والبحث والانتظار، ولا أعتقد أن معالجة مثل هذه الجوانب تحتاج دائمًا إلى ميزانيات ضخمة أو مبانٍ جديدة أو أجهزة أكثر تطورًا، فقد تبدأ من تدريب الموظف على فن الاتصال، وتعليمه كيف ينصت قبل أن يجيب، وغرس فكرة بسيطة في ثقافة العمل تقول إن وقت المراجع له قيمة، وإن الكلمة الطيبة جزء من جودة الخدمة، وإن سرعة الإنجاز ليست منّة تقدم للناس بل حق من حقوقهم.
لكن الأمانة التي دفعتني إلى الحديث عن جوانب القصور تفرض عليّ أن أقول كذلك إنني وجدت في المستشفى المركزي نموذجًا طبيًا رائعًا يستحق أن يذكر باسمه وهو الدكتور فيصل الشائب ذلك الطبيب الخلوق الذي وجدت فيه صبغة إنسانية جميلة وتفانيًا واضحًا في عمله وحسن استماع للمريض واهتمامًا بتفاصيل حديثه، وقد أعاد لي هذا الطبيب معنى أؤمن به منذ زمن، وهو أن الطب مهما تطورت أجهزته وتقدمت علومه يظل في جوهره علاقة إنسان بإنسان، وأن الطبيب الذي يعرف كيف ينصت إلى مريضه ويشعره بالاهتمام ويمنحه من وقته واحترامه قد بدأ جزءًا من العلاج قبل أن يكتب الدواء، ولذلك فإن الإشادة بالدكتور فيصل ليست مجاملة وسط نقد، وإنما شهادة تجربة، وما دام الإنسان قد اختار أن ينتقد ما لم يعجبه فعليه أن يمتلك الشجاعة نفسها في الثناء على ما أعجبه.
وأنا لا أضع المستشفيين في ميزان هدفه أن يخرج أحدهما منتصرًا والآخر خاسرًا، فالمستشفيات الحكومية في نهاية الأمر تعمل من أجل هدف واحد وهو خدمة المواطن والمقيم لكن المقارنة بين التجارب قد تكون أحيانًا أفضل من عشرات الدورات والمحاضرات؛ لأننا عندما نجد في منشأة سرعة في الإنجاز وحسنًا في التواصل وروحًا إنسانية في التعامل فمن حقنا أن نسأل كيف صنعت هذه الثقافة، وكيف يمكن نقل التجربة الجيدة إلى مكان آخر، فليس عيبًا أن تتعلم مؤسسة من مؤسسة، وليس انتقاصًا من إدارة أن تعيد النظر في طريقة تعاملها مع الجمهور، وإنما المشكلة الحقيقية أن نعتاد الخلل حتى يصبح في نظرنا أمرًا طبيعيًا.
لقد علمتني هذه التجربة أن الإدارة الذكية في القطاع الصحي ليست مفهومًا معقدًا يحتاج إلى كتب كثيرة حتى نفهمه، فهي تظهر أمامك في موظف يعرف كيف يتحدث، وسكرتير يحمل أوراق المراجع مبتسمًا بدل أن يصنع حول المكتب سياجًا من التعقيد، وإجراء ينجز بسرعة بدل أن ينتقل بين الأيدي بلا مبرر، وطبيب يستمع إلى الإنسان قبل أن ينظر إلى شاشة الحاسب، ومدير استطاع أن يجعل هذه السلوكيات ثقافة تنتقل من مكتبه إلى موظفيه، وعندما تصل المؤسسة إلى هذه المرحلة فإن المراجع نفسه يصبح شاهدًا على نجاحها دون أن تطلب منه الإدارة أن يقرأ تقريرًا أو يشاهد رقمًا في مؤشر للأداء.
فشكرًا لمنسوبي مستشفى الملك خالد بحفر الباطن على ما وجدته من حسن التعامل وسرعة الإنجاز وفن التواصل والإنصات، وشكرًا للأستاذ بسام العنزي على صورة الموظف الذي يخدم الناس برحابة صدر وابتسامة لا تشعر معها بأنك تثقل عليه بطلبك، والتقدير للدكتور سلمان بن فهد الظفيري على فلسفة إدارية أرى أثرها في الميدان قبل أن أسمع عنها في الكلام، والشكر كذلك للدكتور فيصل الشائب في المستشفى المركزي على ذلك الوجه الإنساني الجميل للطبيب الذي يعرف أن أمامه إنسانًا يحتاج إلى الاهتمام بقدر حاجته إلى العلاج.
إن أجمل ما يمكن أن نصل إليه في خدماتنا الصحية ألا يحتاج المراجع إلى واسطة ليجد الاهتمام، ولا إلى معرفة سابقة حتى تنجز معاملته، ولا إلى رفع صوته حتى يسمعه أحد بل يدخل من الباب فيجد نظامًا يحترمه وموظفًا ينصت إليه وطبيبًا يقدره وإدارة تعرف أن نجاحها الحقيقي لا يبدأ من التقرير الذي يرفع إليها، وإنما من ذلك الإنسان الذي يغادر المستشفى وهو يقول من تلقاء نفسه: لقد وجدت خدمة تليق بي.