النهار

٢٤ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مايو-٢٠٢٦       2970

بقلم - د. علي بن  عالي  السعدوني
حين يمعن الإنسان النظر في  المشهد السياسي المعقد الذي عاشته المنطقة خلال التصعيد الحاد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ثم ينظر إلى الطريقة التي أدارت بها المملكة العربية السعودية علاقتها بهذه العاصفة المتشابكة، يدرك أن الأمر لم يكن قائمًا على ردود أفعال متسرعة أو خطابات انفعالية تبحث عن المكاسب الإعلامية السريعة، وإنما أمام عقل سياسي يعرف جيدًا كيف تُدار التوازنات الكبرى، وكيف يمكن للدولة أن تحافظ على أمنها ومصالحها واستقرار محيطها الإقليمي دون أن تنجرف إلى مسارات تستنزف الأوطان وتفتح أبواب الفوضى على شعوب المنطقة، وفي خضم هذه التحولات يبرز حضور ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان بوصفه شخصية سياسية استطاعت أن تقدم نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمات، نموذجًا يقوم على الهدوء العميق، والحسابات الدقيقة، والقدرة على قراءة المشهد الدولي بلغة تتجاوز الانفعال اللحظي إلى فهم استراتيجي طويل المدى يحافظ على استقرار الشرق الأوسط وسط واحدة من أخطر المراحل السياسية التي مرت بها المنطقة في السنوات الأخيرة.
لقد كانت المنطقة تقف على حافة توتر شديد، التصريحات المتبادلة تزداد حدة، الاحتمالات العسكرية مفتوحة على أكثر من سيناريو، المخاوف الاقتصادية تتصاعد، وأسواق الطاقة تراقب المشهد بقلق كبير؛ لأن أي خطأ صغير كان قادرًا على إشعال مساحة جغرافية واسعة تمتد آثارها إلى العالم كله، غير أن السياسة السعودية خلال تلك المرحلة لم تنجر إلى لغة الاستعراض، ولم تتعامل مع الأزمة بعقلية المكاسب المؤقتة، وإنما ظهرت المملكة بوصفها دولة تدرك أن استقرار الشرق الأوسط ليس خياراً سياسيًا، وإنما ضرورة عالمية تمس الاقتصاد الدولي وأمن الشعوب وحركة التجارة والطاقة والاستثمار، ولذلك جاءت التحركات السعودية قائمة على تهدئة المسارات، وتخفيف الاحتقان، والمحافظة على خطوط التواصل السياسية، والعمل على منع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا أحد يستطيع أن يتنبأ بحجم خسائرها.
وما يلفت الانتباه في هذه المرحلة أن القيادة السعودية لم تكن تدير الأزمة من زاوية أمنية ضيقة، وإنما من رؤية أوسع ترى أن بناء المستقبل لا يمكن أن يتحقق وسط الحرائق السياسية والحروب الممتدة، فالمملكة التي تعمل على مشاريع اقتصادية وتنموية هائلة ضمن رؤية السعودية 2030 كانت تدرك أن المنطقة تحتاج إلى الاستقرار أكثر من حاجتها إلى المواقف المتشنجة، لأن التنمية لا تزدهر وسط القلق، والاستثمار لا ينمو داخل بيئة مرتبكة، والإنسان العربي الذي يبحث عن حياة آمنة وفرص عمل ومستقبل أكثر استقرارًا لا يعنيه من ينتصر في الخطابات بقدر ما يعنيه أن يعيش بعيدًا عن الخوف والدمار والانهيارات الاقتصادية؛ ولذلك جاءت الحكمة السعودية وكأنها محاولة لحماية الشرق الأوسط بأكمله من لحظة اندفاع كان يمكن أن تغيّر شكل المنطقة لعقود طويلة.
كما أن المتابع للمشهد يدرك أن القوة الحقيقية لا تظهر دائمًا عبر الصوت المرتفع، وإنما قد تتجلى أحيانًا في القدرة على امتصاص التوتر، وإدارة التوازنات، ومنع الانفجار الكبير قبل وقوعه، وهذه من أصعب المهام السياسية التي قد تواجه أي قائد في العالم؛ لأن الحفاظ على الاستقرار وسط بيئة مليئة بالاستقطابات يحتاج إلى أعصاب هادئة، وعقل يعرف كيف يوازن بين الحزم والحكمة، وبين حماية المصالح الوطنية وعدم دفع المنطقة نحو المجهول، ولذلك بدت السعودية خلال تلك المرحلة بصفتها دولة تمتلك ثقلا سياسيا واستراتيجيا واسعا ، فإنها لا تفكر بعقلية اللحظة العابرة، وإنما بعقلية المسؤولية التاريخية التي تدرك أن أي اضطراب واسع في الشرق الأوسط لن يتوقف عند حدود دولة واحدة، بل سيمتد أثره إلى الجميع دون استثناء.
لقد أثبتت الأحداث أن السياسة ليست دائمًا في إطلاق المواقف الحادة، وإنما في معرفة اللحظة التي يجب أن تنتصر فيها الحكمة على الانفعال، والهدوء على التوتر، والرؤية البعيدة على المكاسب الوقتية، ولهذا أصبح كثير من المتابعين يرون أن ما قامت به السعودية في إدارة تلك المرحلة الحساسة لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، وإنما درس عميق في كيفية حماية الأوطان من الاندفاع نحو الأزمات الكبرى، وكيف تستطيع الدولة أن تكون قوية ومؤثرة دون أن تجعل المنطقة رهينة للفوضى والصراعات الدامية، وهي صورة تعكس حجم التحول السياسي الذي تعيشه المملكة اليوم، وقدرتها على أن تكون لاعبًا محوريًا يسعى إلى صناعة الاستقرار لا إلى توسيع مساحات التوتر في الشرق الأوسط.