النهار

٢٤ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ مايو-٢٠٢٦       7150

بقلم:عبدالله الكناني 
ليست منطقة  الباحة  مجرد مساحةٍ جغرافية تتناثر فوق جبال السروات، بل هي قصيدةٌ خضراء كتبتها الطبيعة على سفوح الجبال، وواحةٌ آسرة جمعت بين الجمال الفطري، وعبق التاريخ، وهدوء الإنسان الجبلي الذي ما زال يحتفظ بملامحه الأولى رغم تسارع الزمن.

ورغم صغر مساحتها، وعدم امتدادها على سواحل بحرية، إلا أن  الباحة  استطاعت أن تصنع لنفسها حضورًا استثنائيًا في خارطة السياحة السعودية، بما تملكه من تنوعٍ طبيعي نادر؛ غاباتٌ كثيفة، وجبالٌ شامخة، وضبابٌ يعانق القرى، وأودية وسدود، وسفوح تنحدر نحو تهامة في مشاهد لا تقل جمالًا عن أشهر الوجهات العالمية.

وفي زيارتي القصيرة الأخيرة، التي امتدت من محافظة العقيق إلى محافظة بلجرشي مرورًا بـمحافظة القرى ومحافظة المندق، بدا واضحًا أن المنطقة تمضي بخطواتٍ متسارعة نحو تطويرٍ تنموي متوازن، حيث تتجدد المشاريع عامًا بعد عام، وتظهر الإضافات التي تستقبل الزائر والمصطاف بروحٍ مختلفة تعكس حجم الاهتمام الرسمي المتزايد بالمنطقة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو التحسن الملحوظ في البنية التحتية التقنية، خصوصًا في خدمات الاتصالات والإنترنت، إذ بدأت شبكات الجيل الخامس 5G بالظهور في بعض المحافظات، ومنها المندق، رغم محدودية أبراج الاتصالات، فيما يترقب الأهالي والمستثمرون والسياح وصول خدمات الألياف البصرية التي أصبحت اليوم من أهم ممكنات التنمية والسياحة والاستثمار وجودة الحياة.

أما غابة رغدان، فما تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها إحدى أبرز أيقونات  الباحة  السياحية، غير أن التحولات المتسارعة داخلها تثير تساؤلات محبي المكان؛ فالغابة التي عُرفت بطابعها الطبيعي الهادئ بدأت تميل تدريجيًا نحو الطابع الترفيهي التجاري، حتى كادت بعض المشاريع والخدمات أن تطغى على هوية “الغابة” بوصفها فضاءً طبيعيًا مفتوحًا. 
مع محدودية المساحة، تتزايد تحديات المواقف والازدحام والتنقل الداخلي، ما يجعل الحاجة ملحّة لإيجاد حلول تنظيمية أكثر احترافية، كإنشاء مواقف خارجية، وتفعيل وسائل نقل داخلية منظمة، مع فرض رسوم مدروسة على بعض المواقع والخدمات بما يحفظ جودة التجربة ويحدّ من الفوضى والاختناقات الموسمية.

في المقابل، تمتلك  الباحة  عشرات المواقع القادرة على صناعة وجهات سياحية موازية تخفف الضغط عن رغدان، فمنتزهات مثل منتزه الخلب ومنتزه الأمير مشاري وغيرها، إضافة إلى سفوح الجبال المطلة على تهامة، والأودية والسدود الممتدة بين القرى، ما تزال كنوزًا طبيعية تنتظر الاستثمار الحقيقي والرؤية السياحية الحديثة التي تعيد اكتشاف المكان، وتقدمه بصورة تليق بما يختزنه من جمالٍ وثراء بصري وبيئي.

لا يمكن الحديث عن هذا الحراك التنموي دون الإشارة إلى الاهتمام الكبير الذي يوليه صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز، وسمو نائبه، في متابعة المشاريع والارتقاء بالخدمات وتحسين جودة الحياة، وهو اهتمام انعكس بصورة ملموسة على المشهد العام للمنطقة، وعلى تنامي حضورها السياحي محليًا وخليجيًا، حتى أصبحت  الباحة  اليوم وجهةً صيفيةً مفضلة لكثيرٍ من الزوار من داخل المملكة وخارجها.

إن  الباحة  لا تحتاج إلى اكتشافٍ جديد بقدر حاجتها إلى استثمارٍ ذكي يقرأ روح المكان، ويحافظ على هويته الطبيعية والتراثية، ويحوّل تنوعه الجغرافي والتاريخي إلى مشاريع نوعية مستدامة. فهي منطقة تختصر في تضاريسها حكاية وطن، وتملك من المقومات ما يجعلها نموذجًا سعوديًا متفردًا في السياحة البيئية والثقافية والتراثية، متى ما حضرت الرؤية المتخصصة، والاستثمارات الواعية، والشركات القادرة على تحويل هذا الجمال الخام إلى تجربة عالمية متكاملة.